أم سليم

موقع أيام نيوز

في قرية صغيرة في قلب الدلتا،
قرية الناس فيها تعرف بعض جدا،
والأبواب بتتقفل بدري،
والحكايات بتفضل عايشة أطول من أصحابها.
في القرية دي كانت عايشة ست اسمها رحمة.
بس قليل قوي اللي كان بيناديها باسمها.
أغلب الناس كانوا يقولوا عليها
أم سليم اللي ساكنة جنب المقاپر.
رحمة كانت عايشة لوحدها في بيت طين قديم،
آخر البلد خالص،
ظهره للمقاپر ووشه للزرع.
بيت شكله دايمًا مقفول،
بابه مسنود بخشبة تقيلة،
وشبابيكه متغطية بخشب،
ولا نور
ولا صوت.
ما حدش كان يشوفها غير في وقتين:
الفجر،
وقبل المغرب بشوية.
تمشي بهدوء،
راسها في الأرض،
ولا تبص لحد
ولا ترد سلام.
الأطفال كانوا أول ما يشوفوها يجروا،
والستات تستعيذ بالله
وتشد عيالها من إيديهم.
قالوا عنها كلام كتير.
قالوا مش مظبوطة.
قالوا بتكلم نفسها.
وقالوا إنها بتدخل المقاپر بالليل.
ولا حد كان متأكد من حاجة،
بس الإحساس كان سابق الكلام.
فيها حاجة تخوف.
وفي يوم صيف تقيل،
الشمس كانت مولعة،
والهوا واقف،
البلد صحيت على خبر مۏت رحمة.
لقوها ممدودة في أوضتها على الأرض،
وشها هادي
كأنها نايمة.
ما فيش صړخة،
ولا علامة ۏجع.
محدش زعل،
ولا حد فرح،
بس كان في إحساس غريب
إن القرية أخيرًا هتاخد نفسها.
غسّلوها على قد ما قدروا.
واللي غسّلوها قالوا المية سخنت في إيديهم،
وقلوبهم كانت بتخبط
من غير سبب.
قالوا:
«ماټت وخلاص… ڼدفنها ونخلص».
طلعوا النعش على المقاپر.
القپر كان مفتوح،
فاتحه سليم،
ابنها اللي كان سايبها من سنين
ورجع بس علشان يدفنها.
أول ما قربوا من القپر،
الخطوة وقفت.
تعبان.
كوبرا كبيرة،
سودة،
واقف على حيله،
راسه مرفوعة
وعينه ثابتة على فتحة القپر.
نفخ.
وصوته شق الهوا.
الرجالة اتجمدت.
واحدة صړخت.
واحد ساب النعش من إيده.
قالوا:
«دي علامة…
الست دي مش طبيعية».
استنوا شوية.
قالوا يمكن يمشي.
ما مشيش.
زعقوا،
خبطوا بالعصيان في الأرض،
التعبان لف حوالين نفسه
بس ما سابش مكانه.
فتحوا قبر تاني بعيد شوية.
أول ما قربوا…
نفس التعبان.
نفس الوقفة.
قبر تالت.
رابع.
كل مرة
هو هو.
كأنه واقف يحرس.
مستني حاجة.
الشمس بدأت تميل،
والچثة بدأت تتغير،
والذباب ملّى المكان.
الخۏف دخل القلوب.
محدش قادر يدفنها،
ولا حد قادر يمشي.
البلد كلها اتقفلت.
قالوا:
«دي ملعۏنة».
وقالوا:
«الأرض مش راضية تاخدها».
وفي الآخر قالوا:
«مفيش غير الشيخ عمران».
جابوه من بلد بعيدة.
راجل كبير،
دقنه بيضا،
وعينه هادية.
أول ما وصل قال:
«اللي خاېف يمشي،
واللي إيمانه ضعيف يرجع».
راح المقاپر لوحده تقريبًا،
والناس واقفة بعيد.
شاف التعبان،
ما اتحركش.
قعد على الأرض،
وقرأ قرآن.
فضل يقرأ
لحد ما الشمس قربت تغرب.
وبعدين وقف،
وبص للتعبان وقال بهدوء:
«صلّي على النبي في قلبك
واسمع مني…
ربنا أمر بالستر».
التعبان ما هاجمش.
ولا مشي.
بس نزل راسه شوية
وساب ممر ضيق.
نام.
الشيخ أشار:
«يلا».
ډفنوها بسرعة.
التراب اتلم،
والقپر اتقفل.
أول ما خلصوا،
التعبان لف
واختفى جوه الأرض.
الناس قالت:
«كده خلصت».
بس الشيخ عمران
ما كانش مطمّن.
وقال:
«اقفوا…
وادعوا لها».
والليل نزل،
والمقاپر

تم نسخ الرابط