اختفى طبيب متقاعد
اختفى طبيبٌ متقاعد في جبل راينير وبعد أربع سنوات، عثروا على شيءٍ داخل سدٍّ للقنادس ليكشف أن الحقيقة لم تكن يومًا كما ظنّوا.
أخبر طبيب متقاعد حديثًا من ولاية واشنطن زوجته أنه يحتاج إلى رحلةِ مشيٍّ منفردة ليواجه التغيّر الهائل في حياته، ثم انطلق نحو جبل راينير ولم يعد أبدًا إلى منزله.
ترك وراءه زوجة مخلصة حائرة، تتساءل عمّا حدث، بينما بردت القضية تدريجيًا، واعتقد المحققون أنه ربما أنهى حياته بنفسه أو تعرّض لحاډث مأساوي في الجبال النائية.
لكن بعد أربع سنوات، وبينما كان بعض المتنزهين يستكشفون مجرى مائي بعيد، عثروا على شيء عالق داخل سدّ قندس، دليل صاډم هزّ كل الافتراضات السابقة.
ذلك الاكتشاف لم يكن عاديًا، بل حمل تفاصيل غامضة، وأثبت أن الرواية الرسمية لم تكن كاملة، وأن حدس زوجته كان صحيحًا طوال الوقت، رغم شك الجميع حولها.
ارتجفت يدا شارلوت وهي تكسر البيض في المقلاة، بينما تسللت أشعة الشمس إلى مطبخها، كاشفة ظلال جبل راينير البعيد، حيث اختفى زوجها قبل سنوات طويلة.
أربع سنوات كاملة مرّت منذ قبّلها روبرت مودعًا في ذلك الصباح، ووعدها بالعودة قبل العشاء، ثم اختفى داخل البرية التي أحبها أكثر من أي مكان آخر.
أخذ الزيت يطقطق في المقلاة، لكن عقلها كان بعيدًا، غارقًا في ذلك الألم المألوف، ألم الانتظار دون إجابة، ودون نهاية واضحة تريح قلبها المتعب.
قطع رنين الهاتف الحاد الصمت فجأة، فارتبكت وأسقطت الملعقة من يدها، ثم نظرت إلى الشاشة، لتتجمد ملامحها عند رؤية اسم المتصل.
منتزه جبل راينير الوطني لم يتواصلوا معها منذ أكثر من عامين، فشعرت بأن قلبها يتوقف للحظة، وكأن الماضي يعود دفعة واحدة ليطرق بابها من جديد.
قال الصوت عبر الهاتف بهدوء مهني
السيدة شارلوت هينلي؟ أنا الحارس مايك باترسون من منتزه جبل راينير الوطني، ونحتاج حضورك فورًا إلى المركز.
توقف قلبها للحظة، بينما تابع الرجل
عثَر متنزّهون أمس على حقيبة ظهر داخل سدّ قندس، وتمكّنا من تتبعها عبر رقم جهاز GPS، وهي تعود لزوجك روبرت.
ضړبتها الكلمات كصدمة جسدية حقيقية، فتمسكت بحافة الطاولة بقوة، وابيضّت مفاصل يدها، وكأنها تحاول التماسك أمام حقيقة لم تكن مستعدة لها أبدًا.
تمتمت بصوت مرتعش
حقيبة؟ بعد كل هذا الوقت؟
أجاب الحارس بهدوء
نعم يا سيدتي، نحتاج حضورك إلى المركز، لدينا بعض الأسئلة، والشرطة موجودة بالفعل وتنتظرك الآن.
تسارعت أفكار شارلوت وهي تقود الطريق المألوف نحو مركز الحراس، بينما ارتجفت يداها على عجلة القيادة، وكل منعطف يعيد إليها ذكريات لم تهدأ منذ اختفاء زوجها.
كان هذا الطريق الذي سلكاه معًا مرات لا تُحصى، روبرت دائم الحماس لمغامرة جديدة، يبتسم ويطمئنها أنه سيكون حذرًا، وهي تثق بخبرته وطبيعته الدقيقة والمنظمة.
ثلاثون عامًا قضاها في تلك المسارات الجبلية، يعرفها كما يعرف كفّ يده، ولم يخطر ببالها يومًا أن تلك الخبرة نفسها قد تقوده إلى مكان لا عودة منه.
امتلأ موقف سيارات مركز الحراس بسيارتي شرطة بجوار مركبات المنتزه المعتادة، فشعرت معدة شارلوت بالانقباض، وكأن شيئًا ثقيلًا يستقر بداخلها مع كل خطوة تقترب بها.
عند دخولها، ضړبتها رائحة الخشب القديم والصنوبر، فاجتاحتها موجة جديدة من الذكريات، ذكريات دافئة تحولت الآن إلى ألم صامت لا يفارقها منذ سنوات.
استقبلها الحارس باترسون، رجل ممتلئ في الأربعينيات من عمره، بعينين تحملان تعاطفًا واضحًا، وقال بلطف السيدة هينلي، شكرًا لقدومك، هذه المحققة موريسون.
مدّت المحققة موريسون، امرأة طويلة بشعر رمادي مشدود للخلف، يدها قائلة بنبرة رسمية هادئة أعتذر أننا نلتقي في مثل هذه الظروف، تفضّلي بالجلوس.
اصطحبوها إلى غرفة اجتماعات صغيرة، حيث وُضعت حقيبة روبرت على الطاولة، مبللة بالماء، ملطخة بالطين، وممزقة جزئيًا، فاختنق نفس شارلوت فور رؤيتها.
تعرّفت عليها فورًا، الحقيبة الرمادية والزرقاء التي أهدتها له في عيد ميلاده الستين، مع المشبك الأحمر الذي اعتاد تثبيته دائمًا على جانبها دون تغيير.
قال الحارس باترسون موضحًا وجدها المتنزهون عالقة داخل سدّ قندس على بُعد ثمانية أميال من شلالات سبراي، مدفونة جزئيًا بين الأغصان والطين المتراكم.
أكمل حديثه استطعنا تتبعها عبر الرقم التسلسلي لجهاز GPS، رغم حالته السيئة، وكان هذا ما قادنا للتواصل معك بعد كل هذا الوقت.
فتحت المحققة موريسون ملفًا أمامها وقالت استعدنا بطاقة الذاكرة من الجهاز، رغم تلف الهوائي، ولهذا لم نتمكن من تتبعه خلال عمليات البحث السابقة.
أضافت وهي تنظر إليها بجدية لكن بطاقة الذاكرة احتفظت ببيانات من قبل حدوث التلف، وهو ما منحنا أخيرًا خيطًا حقيقيًا لما حدث في ذلك اليوم.
انحنت شارلوت للأمام، يتصارع داخلها الأمل والخۏف، وسألت بصوت يكاد يختفي وماذا أظهرت البيانات؟
أجابت المحققة ببطء تشير البيانات إلى أن زوجك غادر المسار المحدد عمدًا في ذلك اليوم، متجهًا إلى منطقة بعيدة تمامًا عن أي طريق معروف.
ثم أشارت بإصبعها إلى خريطة طبوغرافية على الطاولة، حيث استقر المؤشر على بقعة معزولة في عمق البرية، مكان لا يصل إليه أحد بسهولة.
قال الحارس بصوت هادئ قمنا بتفتيش نفس الإحداثيات أمس ومرة أخرى هذا الصباح، لكننا لم نعثر على أي شيء يُذكر في تلك المنطقة النائية.
هزّت شارلوت رأسها پعنف وقالت لكن روبرت لا يخرج عن المسار أبدًا، كان دقيقًا للغاية، يلتزم بخططه، ويسير فقط على الطرق المحددة دون أي انحراف.
أضافت بإصرار واضح خلال ثلاثين عامًا من التنزه، لم يحد مرة واحدة عن مساره المسجّل، لم يكن ذلك من طبيعته أبدًا، أنا أعرفه أكثر من أي شخص.
ظل تعبير المحققة موريسون ثابتًا، بلا أي انفعال، وكأنها تكرّر استنتاجًا محفوظًا، لا يتأثر بالمشاعر أو الذكريات التي تتمسك بها شارلوت بكل قوتها.
قالت ببرود بيانات جهاز GPS واضحة، زوجك كان على بُعد أميال من المكان الذي صرّح بأنه سيتجه إليه، وهذا يغيّر كل شيء في مسار التحقيق.
ثم أضافت بنبرة عملية وبناءً على الأدلة والموقع المعزول، نحن أمام احتمالين فقط، إما حاډث مأساوي أو قرار متعمّد بإنهاء حياته في تلك المنطقة البعيدة.
ارتجف صوت شارلوت وهي تكرر الكلمة اڼتحار؟ وكأنها لا تصدق أن هذا الاحتمال يُقال بصوت عالٍ، عن الرجل الذي عاشت معه عمرًا كاملًا.
تابعت بصوت مكسور روبرت كان قد تقاعد للتو، كانت لدينا خطط، رحلة إلى ألاسكا، وزيارات لأحفادنا في أوريغون، كان متحمسًا ليقضي وقتًا أطول معي.
نظرت إليها المحققة للحظة، ثم خفّفت نبرتها قليلًا وقالت أعلم أن الأمر صعب، لكن بعد أربع سنوات، الطبيعة لا تترك الكثير خلفها، خاصة في تلك الظروف القاسېة.
أكملت بواقعية قاسېة الحيوانات، التحلل، والعوامل الجوية، كل ذلك يجعل العثور على أي أثر أمرًا شبه مستحيل بعد هذه المدة الطويلة من الزمن.
ثم أنهت حديثها بوضوح لن نعيد فتح القضية، بحثنا في الإحداثيات ولم نجد شيئًا، وبصراحة، لا يوجد ما يمكننا فعله أكثر من ذلك الآن.
شعرت شارلوت وكأن الجدران تضيق حولها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل، يضغط على صدرها ويمنعها من التفكير أو حتى التنفس بشكل طبيعي.
قالت بصوت يختلط فيه الڠضب بالانكسار أنتم تستسلمون؟ بهذه البساطة؟ بعد كل هذه السنوات، تنهون الأمر وكأنه لم يكن يعني شيئًا؟
ترددت كلماتها في الغرفة الصغيرة، ثقيلة ومشحونة، بينما ساد صمت قصير، صمت بدا وكأنه يحمل أكثر