قصة عشرون عاما من الصمت

موقع أيام نيوز

تحوّلت من تلك الحزمة الصغيرة الباكية إلى طفلةٍ صلبة الإرادة إذا اعترضها الإحباط قذفت مكعّباتها في نوبة ڠضب وإذا استعدتُ قراءة القصة ذاتها للمرة الثانية صفّقت بيديها بفرحٍ غامر.
كانت حضورًا لا يُمكن تجاهله نما شعرها مجعّدًا ينساب حول وجهها وامتلأت روحها بفضولٍ لا ينضب أمّا ضحكتها فكانت قادرةً على أن تُلطّف أقسى أيّام المستشفى وتمنحها شيئًا من الرحمة.
ومع ذلك كانت هناك لحظاتٌ أشعر فيها بثقل وحدتي خاصةً حين أجلس وحيدًا بين الآباء والأمهات في اجتماعات المدرسة أو عندما تعود إيزابيل ذات يومٍ بورقةٍ رسمت فيها عائلتها خاليةً من صورة أم.
أتذكر حين رفعت عينيها إليّ وسألت ببراءةٍ تمزق القلب
أبي أين أمي؟
ابتسمتُ لها أُخفي اضطرابي خلف دفءٍ مصطنع
إنها حيثما تتمنّينها أن تكون يا صغيرتي ولكنك تملكينني أنا دائمًا.
ومضت السنوات حتى تكدّست عقودًا فوق عقود.
نشأت إيزابيل في ذلك المنزل القديم بأرضياته الخشبية المتشققة وطلاء شرفته المتآكل هناك، تحت شجرة البلوط العتيقة تعلمت ايزابيلا ركوب دراجتها وهناك أيضًا تعلّمتُ أنابمساعدة الممرّضاتكيف أُجدل شعرها محاولًا أن أكون لها عالمًا كاملًا.
انكمشت حياتي في ظاهرها لكنها ازدهرت في جوهرها بين نوبات العمل المرهقة، وفطائر نهاية الأسبوع، وصدى خطوات إيزابيل في أرجاء المنزل كنت أعيش حياةً ممتلئة رغم بساطتها.
وحين حاولتُ أن أطرق باب الحب من جديد لم يُكتب لأي محاولة أن تكتمل.
كانت إيزابيل تبتسم بمكرٍ وهي تقول
أبي، ألا تنوي أن تسمح لأحدٍ بالدخول إلى حياتك يومًا ما؟
فأجيبها ضاحكًا
ولِمَ نُفسد هذا الكمال يا إيزابيل؟
فتدير عينيها في مرح ثم تقول بنبرةٍ تجمع بين المزاح والجد
لم أعد طفلةً بعد الآن يا أبي وأظنّ أنك بحاجةٍ إلى من ترافقك إلى معرض العلوم.
ثم تعود بعد لحظة صمت لتسأل بصوتٍ أكثر عمقًا
أبي ألن تدع أحدًا يقترب من قلبك حقًا؟
مرّت السنوات وكبرت ابنتي عنيدةً، لامعة الذكاء لا تتردّد في خوض جدالٍ حتى من أجل شريحة خبزٍ احټرقت على عجل كانت تُجادل وكأن الحقيقة كنزٌ لا يُنال إلا بالمواجهة.
ثم في يومٍ عاديٍّ لا يحمل أي نذير التقيتُ بكارا عند آلة البيع في المستشفى كانت تراقبني وأنا أُصارع كيس رقائق بطاطس عالقًا فابتسمت بخفة وقالت بنبرةٍ مازحة
أتريد أن أُريك كيف يتعامل المحترفون مع الأمر؟
خرجنا معًا أنا وكارا ثلاث مرات قبل أن أجد الشجاعة لأخبر إيزابيل أخيرًا.
جلسنا نتناول طعامًا جاهزًا وأنا أتهيّأ لسماع حكمها الذي لم أكن أعلم إن كان سيطمئنني أم يُربكني فوجدتها تنظر إليّ بابتسامةٍ مشاكسة وقالت
هل أنت متوتر يا أبي؟
تنفستُ ببطء وأجبتها
ربما قليلًا فأنا جديدٌ في هذا الأمر.
مدّت يدها وضغطت على يدي برفق ثم قالت بنبرةٍ دافئة
هذا جيّد أنت تستحق السعادة يا أبي.
وبعد ستة أشهر أدركتُ أنني بدأت أقع في حب كارا لكن قبل أن أُقدِم على أي خطوةٍ أخرى كان لا بدّ أن تلتقي بإيزابيل.
لذا خططتُ لعشاءٍ في منزلنا عشاءٍ عائليٍّ حقيقي يحمل شيئًا من الجدية وكثيرًا من الترقّب.
بينما كانت إيزابيل ترتّب الصحون وتُشغّل غسالة الأطباق التفتت إليّ وقالت بصوتٍ يحمل قلقًا خافتًا
أبي هل تعتقد أنها ستحبني؟ أنا على وشك أن أبلغ العشرين وأعلم أن تقبّل هذا الوضع ليس سهلًا.
ابتسمتُ لها بثقةٍ حاولتُ أن أجعلها مُقنعة
عزيزتي أنا متأكدٌ من أنها ستفعل.
كنتُ أريد حقًا أن تلتقي بها أن يلتقي عالميّ معًا دون تصادم.
في الطريق إلى المنزل كانت كارا صامتةً على غير عادتها ألقيتُ عليها نظرةً جانبية أحاول أن أقرأ ما يختبئ خلف ملامحها ثم قلت مازحًا
هل أنتِ بخير؟ تبدين وكأنكِ ذاهبة إلى غرفة العمليات لا
تم نسخ الرابط