قصة عشرون عاما من الصمت
المحتويات
عرفته منذ اللحظة التي وصلنا فيها لم أتخيّل يومًا أنني سأعود إليه ولا حتى بعد مليون عام.
عقدت إيزابيل حاجبيها وقد بدأ القلق يتسلّل إلى ملامحها
كيف؟ ولماذا؟
انكسر صوت كارا وكأن كل كلمة تخرج منها تقتطع جزءًا من روحها
لأنني قبل عشرين عامًا كنتُ أنا من وقفت هناك على تلك الشرفة أنا من تركتُ طفلةً في سلّة ثم رحلت أقنعتُ نفسي أن هناك من سيحبّكِ أكثر مني أنا من تركتكِ يا إيزابيل.
تعلّقت الكلمات في الهواء ثقيلة، خانقة، لا تسقط ولا تُحتمل.
في البداية ظلّت إيزابيل تحدّق بها دون أن ترمش كأن الزمن توقّف في عينيها أما أنا فشعرتُ بمعدتي تنقبض پعنف وعقلي يلهث محاولًا أن يلحق بما يحدث.
واصلت كارا ودموعها تنساب بلا توقّف
كنتُ في التاسعة عشرة قال والداي إن الاحتفاظ بكِ سيدمّر كل شيء ضغطوا عليّ، هدّدوني واتخذوا القرار عني لكن أنا من ابتعدتُ عن تلك السلّة.
ارتجف صوتها وهي تهمس
أنا من ابتعدت
ثم أضافت وقد اختلط الألم بالندم
بعد ولادتكِ أخفوني عند عمّتي في المنزل المقابل لهذا البيت كنتُ أراقب من بعيد دون أن أجرؤ على الاقتراب.
لحظتها تسلّل إلى ذاكرتي طيف تلك المرأة العجوز التي كانت تسكن الجهة المقابلةغادرت حين كانت إيزابيل في الثالثة ولم يخطر ببالي يومًا أن خلف نوافذ ذلك المنزل كانت هناك عيونٌ تراقب.
تابعت كارا بصوتٍ خاڤت كأنها تعترف أمام قدرٍ لا مهرب منه
أخبرتني عمّتي أن طبيبًا يعيش هنا وأنه أعزب قالت إنك رجلٌ طيب يا مايكل فقلت لنفسي إن هذا هو الطريق الوحيد. ..كنتُ أعلم أن طفلتي ستكون بأمان هنا.
ثم رفعت عينيها نحونا ومزيج من الرجاء والانكسار يملؤهما
كنتُ أظن أنني أفعل الصواب لكنني كنتُ أترك قلبي خلفي.
كان صوت إيزابيل بالكاد يُسمع حين نطقت كأن الكلمات تثقل صدرها
لقد تركتِني على الشرفة ثم جعلتِ ذلك هو بقية حياتي.
أومأت كارا برأسها ويداها ترتجفان ارتجافًا لا يمكن السيطرة عليه ثم قالت بصوتٍ مكسور
كنتُ أُقنع نفسي أن ذلك كان لمصلحتكِ كنتُ خائفةً إلى حدٍّ لا يُحتمل ثم هربت غيّرتُ اسمي، وانتقلتُ بعيدًا، ودفنتُ كل شيء وعندما انتقلت عمّتي لم يعد هناك سببٌ يدفعني للعودة.
نظرتُ إليها تتصارع داخلي موجاتٌ من الڠضب والحزن وقلت بصوتٍ مشدود
تركتِها على عتبة بابي ثم تعودين الآن بطريقةٍ ما، إلى حياتي؟ هل تدركين كم يبدو هذا قاسيًا؟
رفعت عينيها إليّ وقالت بصدقٍ مؤلم
لم أكن أعلم أنه أنت يا مايكل لم أعرفك لم يتضح لي شيء إلا حين توقّفنا أمام المنزل وعادت إليّ الذكريات دفعةً واحدة.
نهضت إيزابيل فجأة فاحتكّ الكرسي بالأرض بصوتٍ حاد وقالت وعيناها تشتعلان بأسئلةٍ مكبوتة
إذن طوال هذا الوقت، كنتُ أنا الطفلة التي تخلّيتِ عنها؟ هل تعلمين كم مرة تخيّلتُ أمي؟ كم مرة رسمتُ لها وجهًا لا أعرفه؟
وقفت كارا أيضًا تمسح دموعها بارتباك وقالت بصوتٍ يختلط فيه الندم بالانكسار
أنا آسفة أعلم أن هذا لا يكفي كنتُ جبانة نعم، لقد ضغطوا عليّ لكنني أنا من هربتُ من خطئي.
ثم ساد الصمت
صمتٌ ثقيل، خانق، كأن جدران المنزل نفسها على وشك أن تنشطر إلى نصفين.
لم ينم أحدٌ منا تلك الليلة.
إذ غادرت كارا في صمتٍ ثقيل تحمل معها ظلّ ما حدث وبقي باب غرفة إيزابيل مغلقًا بإحكام أما أنا فوجدتُ نفسي واقفًا أمام خزانة الردهة أحدّق في تلك السلّة القديمة السلّة التي وجدتُ فيها ابنتيأو لعلّ الأصح أن أقول
إيزابيل، ابنة كارا.
مرّرتُ أصابعي على حافتها ببطءٍ كأنني ألمس الزمن نفسه أحاول أن أفهم كيف تغيّر كل شيء بهذه السرعة.
وأخيرًا جاء
متابعة القراءة