لم يتوقف حفيدي عن البكاء
ما تشعر به من ذنب.
بدت تلك الليلة أطول من أي ليلة عاصفة، حيث اختلط القلق بالإرهاق، ولم يعرف أحد كيف يهدأ أو يطمئن.
بقي ابني وزوجته بجوار سرير حفيدي في المستشفى، يراقبان شاشة الأجهزة التي تتابع أنفاسه، وكأن كل صوت يصدر منها يحمل احتمالًا مخيفًا.
كنت أجلس بهدوء في زاوية الغرفة، ممسكة بيد زوجته، أحاول أن أمدّها بقليل من الطمأنينة التي لم أكن أملكها بالكامل.
مرّت الساعات ببطء شديد، حتى بدا الوقت وكأنه متوقف، لا يتحرك، ولا يرحم هذا الانتظار القاسې.
وأخيرًا، عاد الطبيب ليطمئننا، قائلاً إن الڼزيف قد توقف، وأن الحالة أصبحت مستقرة بعد تدخل سريع.
انتشر الارتياح في الغرفة فورًا، وكأن الجميع استعاد أنفاسه دفعة واحدة بعد احتباس طويل ومؤلم.
أكّد الطبيب أن حفيدي سيتعافى، لأن اكتشاف الإصابة تم في وقت مبكر، وهو ما أنقذه من مضاعفات أخطر.
اڼهارت زوجة ابني بالبكاء، وأخفت وجهها في كتفه، بينما أغمض عينيه وهمس بكلمات شكرٍ خاڤتة.
في صباح اليوم التالي، عادت المربية إلى المستشفى، لكن هذه المرة تركت ابنتها في الخارج برفقة إحدى الممرضات.
بدت مرهقة بشدة، ووجهها شاحب ومنتفخ من كثرة البكاء، وكأنها لم تنم منذ ما حدث.
وقفت عند المدخل مترددة، غير قادرة على الاقتراب أكثر، ثم قالت بهدوء إنها تتفهم إن لم نرغب في رؤيتها مرة أخرى.
نظر ابني إلى زوجته، منتظرًا ردها، بينما ساد صمت قصير حمل الكثير من المشاعر غير المعلنة.
قالت زوجته أخيرًا بهدوء، كان عليكِ أن تخبرينا أن ابنتك ستكون معك، فهذا لم يكن تفصيلًا بسيطًا.
أومأت المربية برأسها، واعترفت بأنها أخطأت، وأنها ظنّت الأمر لن يتعدى بضع ساعات فقط دون أي مشكلة.
انقطع صوتها فجأة، وكأنها عاجزة عن إكمال ما تريد قوله، لأن الحقيقة كانت أقسى من أن تُقال.
تنهد ابني بعمق، وقال إنه لا يمكنهم التراجع عما حدث، مهما حاولوا، لأن الضرر قد وقع بالفعل.
وافقت بصوت خاڤت، لكنها أشارت إلى أن الطفل ما زال بخير، وكأنها تتمسك بأي أمل لتخفيف ثقل الذنب.
ساد الصمت مجددًا، قبل أن تقول زوجته بهدوء إن الطفلة لم تقصد إيذاءه، بل كانت تجهل خطۏرة ما فعلته.
أومأت المربية والدموع تملأ عينيها، مؤكدة أن ابنتها تشعر بندم شديد منذ اللحظة التي أدركت فيها ما حدث.
لكن زوجة ابني مسحت دموعها وقالت بحزم هادئ إنهم لا يستطيعون الوثوق بترك الطفل معها مرة أخرى.
خفضت المربية رأسها، وأبدت تفهمها الكامل، وكأنها كانت تتوقع هذا القرار منذ البداية.
بعد يومين، خرج حفيدي من المستشفى، وأكد الأطباء أنه سيتعافى تمامًا دون آثار دائمة بإذن الله.
لكن ما حدث ترك أثرًا في الجميع، وغيّر شعورهم بالأمان، وجعلهم أكثر حذرًا تجاه كل تفصيلة صغيرة.
قرر ابني وزوجته البقاء مع الطفل في المنزل لبعض الوقت، دون الاستعانة بأي مربية، فقط ليشعرا بالاطمئنان الكامل.
أما الطفلة الصغيرة، فبعد أسبوع، عادت مع والدتها، تحمل في يدها بطاقة ورسمة بسيطة أعدّتها بنفسها.
وقفت بخجل عند الباب، ممسكة بورقة رسمت فيها طفلًا صغيرًا تشرق فوقه شمس مبتسمة، وكأنها تتمنى له السلامة.
وفي أسفل الرسمة، كانت هناك كلمات غير مرتبة، لكنها كُتبت بعناية، تحمل اعتذارًا صادقًا من قلب صغير.
ركعت زوجة ابني أمامها، واحتضنتها برفق، ثم شكرتها على الرسمة، وكأنها تقبل اعتذارها بطريقتها الخاصة.
رفعت الطفلة رأسها بتوتر، وسألت إن كان الطفل بخير الآن، بينما كانت عيناها تبحثان عن إجابة تطمئنها.
ابتسمت زوجة ابني ابتسامة خفيفة، وأخبرتها أنه سيكون بخير، وأن الأمور تسير نحو الأفضل.
أومأت الطفلة برأسها بهدوء، وكأنها تحاول تصديق ذلك، والتخفيف من ثقل ما تحمله في
قلبها الصغير.
ولأول مرة منذ ذلك اليوم القاسې...
تنفّس الجميع الصعداء أخيرًا.