بين الباب والقپر
البيت وأنا حاسة إني بسرق لحظة من المۏت وقفلت الباب ورايا بإيد بتترعش وكل حاسة جوايا كانت بتأكدلي إن اللي قدامي حقيقي مش وهم ولا خيال نابع من الحزن.
لمست إيده كانت ساقعة ملمسها شدني للواقع ڠصب عني وريحت الطين اللي مالية هدومه كانت تقيلة ومزعجة بس في اللحظة دي كانت أرحم من فكرة إن اللي اتدفن الصبح كان هو.
بص لي بعيون واسعة مليانة خوف عيون شفتها قبل كده ألف مرة وقال وهو بيحاول يثبت صوته إن أمه قالتله هيفضل عايش في البيت ده وهي هتيجي تاخده بعدين.. بس ياتاتا ماما مجتش خالص والناس اللي كنت عايش معاهم بيعاملوني وحش وقالولي أمك مش عايزاك في حياتها وإنها عايزه تخلص مني.
الكلمات نزلت علي تقيلة خبطت في دماغي وخلت الدنيا تلف بيا لأن العقل مش بيقبل بسهولة فكرة إن الأم ممكن تبقى سبب النهاية بدل ما تكون الأمان.
قال إنه هرب بالعافية وإنه استخبى في المخازن القديمة طول اليوم ولما رجع البيت شاف أمه بتاخد جنازته.. فخفت وهربت تاني.
قبل ما ألحق أسأله أي سؤال صوت عربية وقف قدام البيت الصوت اللي عرفته من غير ما أبص من الشباك وقلبي وقع في رجلي في اللحظة دي.
بص لي پخوف أكبر وأنا قربت منه ووطيت لمستواه وقلتله بصوت واطي يدخل أوضتي ويستخبى تحت السرير ومهما حصل ما يطلعش نفس.
دخل يجري وأنا بدأت ألم آثار الطين من على الأرض بلهفة بحاول أرجع البيت شكله الطبيعي رغم إن قلبي كان بيدق أسرع من إيدي.
الخبطة على الباب جات قوية المرة دي واثقة مش مترددة زي اللي قبلها خبطة حد شايف نفسه صاحب المكان.
فتحت الباب ولقيت أمه واقفة وشها ثابت زيادة عن اللزوم وعينيها بتلف في الصالة كأنها بتدور على حاجة ضايعة.
قالت إنها حست بالوحدة وإنها ماقدرتش تفضل في البيت لوحدها بس عينيها كانت بتقول إنها جاية لسبب تاني خالص.
وأنا بحاول أتكلم بهدوء عينيها وقعت على فردة كوتشي صغيرة غرقانة طين مستخبية نصها تحت الكنبة وفي اللحظة دي شفت وشها بيتحول.
البرود اختفى وطلع مكانه شيء عمري ما شوفته قبل كده حاجة خليتني أعرف إن اللي واقف قدامي مش أم موجوعة لكن خطړ.
ابتسمت ابتسامة صفرا وقالت بصوت واطي مرعب إن الحقيقة دايما بتعرف ترجع مهما حاولوا يدفنوها.
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي اتدفن الصبح ماكانش حفيدي.
وقفت قدامي قريبة زيادة عن اللزوم وصوتها بقى واطي ومشدود كأنه طالع من جوفها مش من بقها وقالت إن الغلط الوحيد اللي عملته هو إنها سابت أثر وراها.
قالت إن الطفل اللي اتدفن مكانه ماكنش حفيدي وإنه كان طفل شبهه خدته من دار رعاية لبسته هدومه وحفظته اسمه ورمته في الترعة وهي متأكدة إن الكل هيصدق الحكاية اللي
اتحضرت بعناية.
كانت بتتكلم بثبات مرعب بتحكي عن فلوس التأمين وعن الحمل اللي شالته لوحدها بعد مۏت ابني وعن حياتها الجديدة اللي ماكانش ينفع حفيدي يعيش ويبوظها وكأنها بتتكلم عن قرار شغل مش چريمة.
وأنا سامعاها كنت حاسة إن كل كلمة بتشدني أكتر للهاوية بس في نفس الوقت كان في ڼار بتولع جوايا ڼار أم وجدة مش مستعدة تخسر الطفل ده مرة تانية.
مدت إيدها وطلعت سکينة صغيرة من شنطتها السکينة لمعت تحت نور اللمبة وقالت بهدوء غريب إنها مش هتسيب حد يهد اللي بنته لا أنا ولا الطفل اللي فاكرة إنها خلصت منه.
في اللحظة دي النور قطع والضلمة بلعت المكان وصوت نفسها بقى عالي ومتخبط وأنا ساعتها حسيت إن البيت اللي عشت فيه سنين حافظ خطواتي أكتر منها.
تحركت من غير تفكير مسكت فازة تقيلة من على الترابيزة وخبطتها بكل قوتي على راسها والسکينة وقعت من إيدها قبل ما جسمها يقع على الأرض.
وقفت دقيقة كاملة مش قادرة أتحرك بعدها جريت على أوضتي سحبت حفيدي من تحت السرير حضنته ودموعي نزلت من غير صوت بكاء خوف وفرحة في نفس اللحظة.
اتصلت بالشرطة وأنا حضناه وصوتي كان بيترعش بس المرة دي ماكنتش بتهرب من الحقيقة كنت بحميها.
التحقيقات طلعت كل حاجة الاعترافات كانت كاملة والتقارير اتغيرت والناس اللي كانت بتواسي بقت بتسأل والنعش الصغير الأبيض طلع ماكانش ليه اسم في الأول.
الطفل المظلوم اتدفن باسمه الحقيقي واتاخد حقه وحفيدي رجع لي حي بس بعينين كبروا بدري عن سنهم.
دلوقتي سليم قاعد على نفس ترابيزة المطبخ ما بقاش يطلب سندوتشات بس بياكل ورق عنب وبيحاول يدندن نفس اللحن القديم وأنا المرة دي ما بعملش نفسي متضايقة.
أنا بحفظ الصوت وببص له وبحمد ربنا إن الطرق على الباب في الليلة دي ماكانش إنذار نهاية لكنه كان رجوع روح اتسرقت بدري.