منطقة العتبة

موقع أيام نيوز

في ثمانينيات القاهرة وتحديدا في قلب منطقة العتبة حيث البيوت متلاصقة كأنها تتبادل الأسرار وحيث الأصوات لا تنام حتى في آخر الليل كانت الدكتورة إيمان تعود إلى شقتها بعد يوم عمل طويل.
كانت تحمل مفاتيحها بيد مرتجفة من الإرهاق وتفكر في كوب شاي ساخن وساعة صمت. أدخلت المفتاح وأدارت المقبض وما إن انفتح الباب حتى توقفت أنفاسها فجأة.
رائحة غريبة خانقة ضړبت صدرها.
لم تكن رائحة طعام محترق ولا غاز بل رائحة ثقيلة سوداء تحمل خوفا لا يخطئه القلب.
نادت بصوت مبحوح
سهى
لا رد.
تقدمت بخطوات بطيئة داخل الشقة. الصالة غارقة في صمت غير طبيعي والهواء ثقيل كأنه يضغط على صدرها. اتجهت نحو غرفة الطفلة وكل خطوة كانت أصعب من سابقتها كأن شيئا ما يحاول إيقافها.
دفعت باب الغرفة.
عند العتبة تجمدت.
على الأرض كان جسد صغير ممددا بلا حراك متفحما فقد ملامحه كأنه لم يعد ينتمي إلى عالم الأحياء. لم تستوعب عيناها المشهد في اللحظة الأولى ورفض عقلها أن يعترف به.
سقطت حقيبتها من يدها وارتطم صوتها بالأرض ثم خرجت الصړخة.
صړخة موجوعة حادة مزقت سكون العمارة واستدعت الجيران من كل طابق. أبواب تفتح همسات تتحول إلى صړاخ وعيون تلتصق بالمشهد.
حضرت الشرطة قبل أن تهدأ الأصوات. دونت المحاضر وبدأت الأسئلة وكانت الدكتورة إيمان تقف في المنتصف شاحبة مشلۏلة كأنها تشاهد كابوسا لا يخصها.
وبعد ساعات قليلة وضعت الأصفاد في معصميها.
التهمة كانت جاهزة
قتل الطفلة سهى بنت زوجها.
لم تمنح وقتا للفهم ولا فرصة للإنكار. كل شيء كان يسير بسرعة مخيفة كأن القضية تبحث عن متهم لا عن حقيقة.
في قاعة المحكمة وقفت إيمان داخل القفص. كانت ترتدي نظارتها الطبية وشعرها مشدود إلى الخلف في بساطة. لم تبد قاټلة بل امرأة منهكة تائهة لا تفهم كيف وصلت إلى هنا.
عندما نطق الحكم لم تسمع سوى الكلمات الأخيرة
الإعدام شنقا.
صړخت لا دفاعا عن نفسها بل صړخة إنسان ينتزع من الحياة.
أنا مظلومة والله مظلومة!
لكن القاعة كانت قد أغلقت أذنيها.
قبل هذه الليلة المشؤومة كانت إيمان امرأة أخرى.
فتاة بسيطة على قدر من الجمال الهادئ ترتدي نظارة بكعب صغير لا تحب لفت الانتباه. فقدت والديها مبكرا ولم يكن لها إخوة. تعلمت الاعتماد على نفسها منذ الصغر.
سافرت إلى الخليج شابة عملت في مستشفيات كبيرة قضت سنوات طويلة بين النوبات الليلية وغرف المرضى. تعبت واجتهدت وادخرت. كانت تحسب كل شيء حتى أحلامها.
عادت إلى مصر بثروة محترمة. بنت عمارتين فتحت عيادة خاصة ووضعت وديعة كبيرة في البنك. قال الناس عنها بخيلة وكانت تبتسم وتقول
ده حرص الفلوس مجتش بالساهل.
كبر سنها وبقيت وحيدة.
إلى أن دخل محمد عيادتها ذات يوم.
شاب وسيم صوته هادئ وكلامه معسول. كان أول رجل ينظر إليها كامرأة لا كطبيبة فقط. تكررت زياراته ثم بدأ يحكي عن زواج فاشل وعن زوجة قاسېة وعن طفلة اسمها

تم نسخ الرابط