حلم مش حلمها

موقع أيام نيوز

في اللحظة اللي استلم فيها شهادة تخرجه، كانت واقفة وراه بخطوة واحدة، بتصفق بسعادة لإنها شافت أخيرا نتيجة تعبها.. جوزها وحبيبها اتخرج.

خمس سنين عدوا وهي بتصحى قبل شروق الشمس، وتنزل شغلها الأول، ومنه على شغل تاني، وترجع البيت آخر الليل، تحضرله الاكل، وتسيبله البيت هادي عشان يعرف يذاكر.

ماكنتش سنين جواز عادية، كانوا سنين تأجيل، كل حاجة فيها كانت مؤجلة، راحتها، صحتها، أحلامها الصغيرة.

كانت دايمًا تقول لنفسها إن التعب ده مؤقت، وإنه أول ما يوصل، أول ما يبقى دكتور، الدنيا هتتعدل، وهو هيعرف قيمتها، وهيتحول الامتنان لحب جديد.

بس الحقيقة إن اللي بياخد كتير من غير ما يدفع، بيبدأ يشوف العطاء حاجة عادية، ومع الوقت بيشوف صاحب العطاء نفسه عبء مش نعمة.

في أول سنة جواز، باعوا الدهب، وقالوا “مرحلة وهتعدي”، وفي التانية استلفوا، وفي التالتة بقت هي الضامن، وفي الخامسة بقت هي كل حاجة.

كان كل مرة يخلص امتحان يقول ليها “تعبتك معايا ومشفتيش يوم حلو من ساعة ما اتجوزنا”، فترد عليه بابتسامة وتقول “ولا يهمك، بكرة أكيد هيبقا أحسن”، وهي مش عارفة بكرة ده هيشيل منها إيه كمان.

حتى لما جسمها بدأ ينهار، ولما الإعياء بقى باين في وشها، كانت بتكدّب نفسها، وتقول إن بعد النجاح هيبقى في وقت تعالج نفسها وترتاح.

هو اتغير بهدوء، تغيير مايتسمعش صوته، بس يتحس في البرود، في قلة الكلام، في نظرته اللي بقت تعدّي عليها كأنها قطعة أثاث.

بقى يتكلم عن زمايله، وعن الناس اللي عرفهم، وعن عالم جديد هي مش جزء منه، عالم فيه بدل شيك، وكلام عن البرستيج والمكانة.

وهي كانت سامعة، وفاهمة، بس بتقنع نفسها إن ده ضغط مرحلة، وإنه أول ما يستقر، كل حاجة هترجع زي الأول.

يوم التخرج جه، اليوم اللي استنته أكتر منه، اليوم اللي حست فيه إن تعبها أخيرًا طلع له شكل ومعنى.

وقفت وسط الناس، بتدور بعينيها عليه، مستنية يبص ليها، يشاور، يشكرها، يقول اسمها، حتى همسة، أي حاجة.

لكنها كانت بالنسبة له مجرد خلفية.

رجعوا البيت، الصمت كان تقيل، مش صمت فرح ولا تعب، صمت قرار متاخد من بدري ومستني اللحظة المناسبة.

قالها بهدوء مستفز:

“إحنا لازم ننفصل”.

ماقالش “مش قادر”، ولا “غلطان”، ولا حتى “آسف”، قالها كأنه بيعلن خبر عادي

حاولت تضحك، تفتكرها نكتة، لكن لما كرر جملته تاني.. عرفت خلاص إنها مش نكته.

سألته بصوت واطي، صوت واحدة بټغرق:

“ليه؟”.

قال:

“إنتِ ست محترمة، بس شكلك، ومستواك، وطريقتك… ماينفعوش مع دكتور في المرحلة الجاية”.

الكلمة نزلت عليها زي حجر، اكتشفت في اللحظة دي إنها كانت بتبني سلم، وهو كان طالع عليه لوحده، ولما وصل، قرر يسيبه ويحرقه ورا ضهره.

ماعيطتش، ماصرختش، ماعاتبتش، ماقالتش “ضحيت”، لأنها فجأة حست إن الكلام كله مالوش قيمة قدام إنسان مقدرش تعبها 

لمّت حاجتها بهدوء، سابت ليه البيت نظيف، مشيت من غير ما تطلب حق، ولا نفقة، ولا حتى اعتذار

خرجت من حياته واختفت، اختفاء ست قررت تعالج كرامتها قبل جرحها، وتسيب الحساب للأيام، مش للاڼتقام.

تم نسخ الرابط