شهر من غير أمي
عدّى حوالي شهر من غير أمي وأبويا قرر يتولى كل حاجة ورافض أي تدخل منا بس بعد فترة بقيت أقف جنبه.
أيام طويلة وهو بيقلب في البيت يفرّغ أدراج ويرجعها مكانها ينقل حاجات ويحط غيرها وأنا أوقات كنت أمد إيدي وأساعده.
وزع أغلب هدوم أمي.. بس في حاجات معينة احتفظ بيها.. قال دي مالهاش بديل.. فستان فرحها.. شوية صور قديمة وحقيبة جلد بنية كانت أول مرة أشوفها في الدولاب.
أمي عمرها ما كانت بترمي ورق أي ورقة كانت بتحتفظ بيها حتى لو وفات عليها سنين.. حتى لو مالهاش أي قيمة ظاهرة أو استخدام واضح.
وأنا بقلب في الأدراج ضحكت من كتر الورق اللي لقيناه.. كتيبات عن حاجات اشترتها من خمسين سنة وورقة دكتور طالبة فيها إجازة من الشغل من عشرين سنة.
لقينا شيكات ملغية.. إشعارات سداد قروضها الطلابية وحتى الورق اللي أبويا استخدمه زمان عشان يغير اسمه قانونيًا كله متخزن بعناية.
سألت نفسي ساعتها هي ليه كانت محتفظة بكل ده.. إيه اللي يخلي واحدة تخزن ورق بالكمية دي من غير ما ترمي ولا حاجة.
أبويا كان واقف جنبي مسك شوية ورق وبص عليهم وضحك ضحكة قصيرة وقال إن أمك دي كانت بتحب تخزن أي حاجة
في آخر يوم.. قرر ېحرق الورق كله قال إن البيت لازم يفضى. لقيته جاب برميل وۏلع فيه وبدأ يرمي الورق واحدة واحدة.
وأنا واقفة بتفرج حاسة إن في حاجة غلط بس مش عارفة إيه وسط الورق شفت ملف بني تقيل.. مربوط بخيط.. مش شبه الباقي مديت إيدي آخده قبل ما يتحرق.. أبويا شده من إيدي بسرعة وقال بنبرة قاطعة:سيبيه
قلتله:ده إيه؟ رد وهو بيرميه في الڼار: ورق قديم ملهوش اي لازمة
الڼار مسكت في الملف وأنا واقفة بتفرج وفي اللحظة دي افتكرت إن أمي كانت بتقول دايمًا: لو مت مترميش الورق ولو أبوكم عمل كده.. هتلاقي نسخة تانية منه في درج ورا الدولاب ومفتاحه في الشنطة البني.
بعد ما الڼار خلصت آخر ورقة.. أبويا مسح إيده في بنطلونه.. وقال إن كده الموضوع انتهى.. وكأن اللي اتحرق ده كان مجرد كراكيب مالهاش أي معنى.
أنا ما علّقتش.. بس جوايا إحساس تقيل.. إحساس إن في حاجة وابويا مخبي عليا حاجة.
عدّى كام أسبوع.. وأبويا بقى أهدى.. كأن التنضيف فعلاً ريّحه.. أما أنا فكنت كل ما أعدي من قدام المدفأة أفتكر الملف البني.
فضلت أفكر في كلام أمي.. وفي طريقتها.. وفي هوسها الغريب بالورق.. وفي كلامها ليا عن النسخة التانية من الورق.
في يوم وأنا بنضّف أوضتها للمرة الأخيرة.. فتحت درج صغير ماكنتش واخدة بالي منه قبل كده.. كان مستخبي ورا الدولاب ومقفول بمفتاح.
لقيت المفتاح في حقيبة الجلد البنية.. نفس الحقيبة اللي أبويا ماكانش راضي يفتحها قدامي.. وفتحته وأنا قلبي بيدق كأني بعمل حاجة غلط.