شهر من غير أمي

موقع أيام نيوز

جوه الدرج كان في ظرف أبيض.. عليه اسمي بخط أمي.. الخط اللي كنت أعرفه من غير ما أبص كويس.. خطها المنسق اللي دايمًا يضغط على الورق.

الظرف كان فيه رسالة واحدة.. ومجموعة صور.. ونسخة مصورة من أوراق رسمية.. مش أصل.. بس واضحة.. ومترتبة.. ومحطوط عليها تواريخ.

الرسالة كانت قصيرة.. أمي كاتبة فيها إنها لو أنا بقرا ده.. يبقى هي مش موجودة.. وإن في حاجات أبويا عمره ما هيحكيها.

قالتلي إن الورق اللي اتحرق ماكانش كراكيب.. ولا ذكريات.. ولا ۏجع قديم.. ده كان أمانها الوحيد.. والحاجة الوحيدة اللي كانت ضامنة حقها.

بدأت أقلب في الصور.. صور أراضي.. عقود بيع.. حسابات بنكية.. أسهم.. كل حاجة كانت باسم أمي لوحدها.. ومتسجلة بتاريخ قديم… وفي وسط الورق ده رسالة منها

أمي كتبت في الرسالة إنها عمرها ما كانت شايفة أبويا أب مثالي.. وإن عنده عيوب كتير.. أهمها القماړ وحبه للفلوس.. وكانت دايمًا خاېفة يضيّع كل حاجة في لحظة.

قالت إنها عملت كل ده عشان لما ټموت تضمن حقنا.. وتضمن إننا نعيش عيشة مرتاحة.. وكانت متأكدة إنه أول ما تغيب هيحاول ياخد الفلوس دي من غير ما نعرف.

وليه أنا مقولتش الكلام ده قبل كده.. وليه فضلت ساكتة.. عشان المواجهة بعيوبك أبوكم كانت هتهد البيت وتدخلنا في مشاكل وخناقات انتو ملكوش ذنب فيها.

قالت إنها كانت بتحاول تحافظ على البيت.. وتخلّينا نتربى في جو سوي.. من غير ما نشوف أبونا قليل أو مكسور في نظرنا.. ومن غير ما ټجرح صورتُه قدّامنا.

أكدت إنها مكنتش بتدافع على غلطه.. لكنها كانت بتأجّل الحقيقة لليوم اللي تضمن فيه إننا كبرنا وبقينا في أمان.

أبويا ماكنش يعرف إني لقيت الظرف.. ولا يعرف إن في نسخة تانية من الورق.. ولا يعرف إن أمي كانت متوقعة اللي هيعمله بالحرف.

الرسالة انتهت بجملة واحدة.. مكتوبة بخط أوضح.. كأنها كانت بتضغط على القلم بكل قوتها:
“أنا عارفة إن أبوكم بخيل وبيحب الفلوس.. ولو مت أنا الأول كنت متأكدة إنه ناوي يمنعكم من أي ورث ليكم.”

قفلت الظرف.. ورجّعته مكانه.. وخرجت من الأوضة بهدوء.. وأنا لأول مرة أبص لأبويا وأفهم إنه ماكانش بينضّف البيت.

كان بيمسح أثر عمر كامل عاشه على حسابها.. وكان فاكر إن الڼار هتخلّصه من الماضي.. بس ماكانش يعرف إن اللي اتحرق…
كان مجرد النسخة اللي هو شافها.

تم نسخ الرابط