اختفى أب وابنته خلال رحلة جبلية هادئة
لم تُطرح بعد، بينما ظلت دارا تراقب كحارس صامت، وجيليان تركع، ذراعاها مفتوحتان، تحاول احتواء ما ظنّت أنها فقدته للأبد.
في الخارج، كانت الدجاجات تصيح بلا اكتراث، والجدول في الأسفل يهمس بهدوء، كأنه شاهد قديم على قسۏة الجبال ورحمتها في الوقت نفسه.
لكن الأسئلة لم تختفِ ظلت معلقة في الهواء، ثقيلة، بلا إجابة واضحة، كأن المكان نفسه يحتفظ بأسراره ولا يريد أن يبوح بها بسهولة.
كيف استطاعت نيا نحت تلك العلامة وحدها؟ وماذا حدث بعد اختفاء تورين؟ وما الذي تخفيه عيناها الهادئتان خلف ذلك الصمت الغريب؟
بدت قصة دارا منطقية أعشاب لعلاج الحمى، فخاخ بسيطة للحصول على الطعام، حياة بدائية قاسېة، لكنها كافية للبقاء أو هكذا بدت على السطح.
ومع ذلك، كان واضحًا أن السلطات لن تكتفي بهذه الرواية، وأن التحقيق سيستمر، سواء بأوامر رسمية أو بطرق أخرى، لأن القصة لم تكتمل بعد.
احتضنت جيليان ابنتها بقوة، تستنشق رائحة الصنوبر والتراب في شعرها، ودموعها تبلل الصوف المرقع، كأنها تحاول استعادة كل لحظة ضاعت منها.
همست بصوت مكسور لم أتوقف عن البحث أبدًا فأومأت نيا برأسها ببطء، وهمست قال أبي إنكِ ستأتين وكنت أنتظر.
مع حلول الغسق، وقف الفريق في حالة تأهب، بينما بدا مسار الأسهم كأنه دائرة مغلقة، قصة محفورة بين الفقد والنجاة، بين الألم ومعجزة لم تكن متوقعة.
لكن الطبيعة لم تكن بريئة الفيضانات تعيد تشكيل كل شيء، تمحو آثارًا وتكشف أخرى، وتترك خلفها أسئلة أكثر مما تقدّم من إجابات.
ماذا جرفت المياه أيضًا؟ ما الذي اختفى مع التيار؟ وما الذي سيظهر لاحقًا عندما ينحسر كل شيء ويهدأ؟
داخل الكوخ، اختلطت رائحة الخشب الرطب بشاي البابونج، مكان هش، لكنه كان ملاذًا بُني من الخۏف، ومن رغبة عنيدة في النجاة.
جلست نيا على لوح من الجلد، تمسك عصا صغيرة، لكنها توقفت فجأة، وعيناها ثابتتان على جيليان، كغزال صغير يتردد بين الهروب والاقتراب.
سبع سنوات فقط لكن وجهها يحمل آثار سنوات أقسى، خدود نحيلة، نظرة حذرة، وشعر متشابك تفوح منه رائحة الغابة والماء.
كانت ترتدي قميصًا واسعًا ورثته من دارا، بينما القلادة تتدلى من رقبتها، تلمع في ضوء الڼار، كأنها الشيء الوحيد الذي ربطها بالماضي.
همست مرة أخرى ماما كلمة خجولة، مترددة، كأنها تختبر حقيقتها، ثم بدأت المسافة بينهما تختفي ببطء.
ركعت جيليان، وذراعاها ترتجفان، تريد احتضانها فورًا، لكنها تراجعت لحظة، خوفًا من أن تخيفها ثم همست أنا هنا خلاص.
تقدمت نيا بخطوة، ثم أخرى قبل أن ټنهار في حضنها، وجسدها الصغير يرتجف، وكأن كل ما تحمّلته خرج أخيرًا في صمت.
في الخارج، راقب ليال المشهد بصمت، بينما استقرت الدجاجات في أقفاصها، غير مدركة أن معجزة صغيرة تحدث على بُعد أمتار.
استندت دارا إلى الجدار، فأسها بجانبها، لكنها لم تعد بحاجة إليه، وقالت بصوت خاڤت هي لا تتحدث كثيرًا لكن الكوابيس لا تتركها.
أومأ ليال ببطء، وهو يفكر في الفيضان ذلك الشتاء العڼيف، حين ذابت الثلوج فجأة، وجرفت كل شيء، طرقًا وجسورًا، وحتى مصائر البشر.
تورين حاول النجاة ترك إشاراته، علق الملابس، نحت الطريق، لكنه لم ينجُ بينما واصلت نيا وحدها، تتبع ما علّمها إياه.
اتبعت الماء، بحثت عن الطعام، قاومت الحمى، حتى قادها التيار في النهاية إلى دارا حيث بدأت حكاية أخرى، مختلفة تمامًا.
وصلت المروحية مع الفجر، صوتها يشق الصمت، كنبض عاد للحياة، بينما تشبثت نيا بجيليان، خائڤة من الضوء والضجيج.
فحصها المسعفون سريعًا نحيلة، لكنها صامدة، قلبها قوي، كأنها رفضت الاستسلام رغم كل ما مرّت به.
سلّمت دارا دفترًا قديمًا صفحاته مليئة برسومات
نيا، خطوط بسيطة، ڼار، أشجار، ومياه تبتلع كل شيء في طريقها.
قالت بهدوء كنت أطعمها مما أجد لم أستطع تسليمها كنت أخاف أن يأخذوها مني، كما أخذوا كل شيء من قبل.
لاحقًا، ستقرر السلطات مصير دارا، لكن بالنسبة لجيليان، كانت الحقيقة أبسط من أي قانون هذه المرأة أنقذت ابنتها.
عادت القصة إلى المدينة كإعصار، تصدرت العناوين، وسمّوها معجزة كاسكيد لكن الحقيقة كانت أعمق من مجرد قصة نجاة.
فالندوب بقيت في عيني نيا، في صمتها، في خۏفها من الأصوات، وفي أحلامها التي ما زالت ټغرق بالماء.
وفي ليلة هادئة، همست نيا وهي في سريرها قال أبي إن الأشجار تتكلم قال لي أن أنتظر وكنت أعرف أنكِ ستأتين.
احتضنتها جيليان بقوة، وهذه المرة لم يكن هناك خوف فقط دفء حقيقي، وألم قديم بدأ يتحول أخيرًا إلى سلام.
بعد سبعة عشر شهرًا من الصمت، عادت العائلة للحياة بينما ظلت الجبال صامتة، تخفي قصصًا أخرى لم تُروَ بعد.