ثلاثة ونص فجرًا
ثلاثة ونص فجرا
لم تكن الرسالة في حد ذاتها مدعاة للقلق لكنها اخترقت صدر رانيا كما لو أنها أيقظت خوفا قديما ظل نائما في أعماقها سنوات طويلة.
حدقت في شاشة الهاتف بملامح جامدة تشعر بأن الكلمات القليلة تحمل ثقلا أكبر مما يبدو.
بنتي زعلت عليكي مبترديش ليه سمعت صوت عندكم وقلت أطمن.
توقفت أناملها عن الحركة.
الساعة أعلى الشاشة تشير إلى الثالثة والنصف فجرا.
ذلك التوقيت الذي لا يفترض أن يأتي فيه الاطمئنان بل الأسئلة.
رفعت رأسها ببطء كأنها تتوقع أن تجد أحدا واقفا في الصالة.
لكن الشقة كانت غارقة في سكون خانق صمت كثيف لا يشبه هدوء النوم بل يشبه الترقب صمت يراقب ولا يطمئن.
ابتلعت ريقها ثم عادت بنظرها إلى الهاتف وكتبت على عجل محاولة أن تبدو طبيعية أو ربما لتقنع نفسها بذلك
البط كان بيجري ورايا.
توقفت لحظة بعد الإرسال.
نظرت إلى الجملة وكأنها لا تعرف مصدرها.
لم يكن لديها بط.
لم تكن تملك أي حيوان أليف من الأساس.
بل في الحقيقة لم يكن هناك أي كائن حي في الشقة منذ أسبوع كامل.
وضعت الهاتف على الطاولة ونهضت ببطء تشعر بثقل في أطرافها.
الضوء الخاڤت المتسلل من المطبخ كشف عن مشهد أربكها.
كرسي مقلوب على جانبه.
كوب زجاجي مهشم عند الحائط.
وبقعة ماء طويلة تمتد من باب الحمام حتى عتبة غرفة النوم.
عقدت حاجبيها.
إمتى عملت كل ده
لم تتذكر شيئا.
تقدمت خطوة خطوة نحو الحمام.
مع كل خطوة ازدادت الرائحة وضوحا.
لم تكن رائحة ماء عادي.
كانت رائحة عفنة نفاذة تشبه رائحة برك الترع الراكدة في عز الصيف.
وضعت يدها على أنفها وهمست بصوت خاڤت كأنها تخشى أن يسمعها أحد
أكيد أنا تعبانة نومي ملخبط وخلاص.
مدت يدها نحو مفتاح الإضاءة.
وقبل أن تلمسه
جاءها الصوت.
كواك كواااك
تجمد الډم في عروقها.
توقفت أنفاسها للحظة وشعرت بقلبها يقفز پعنف داخل صدرها.
الصوت لم يأت من الخارج.
لم يكن من الشارع ولا من نافذة مفتوحة.
كان صادرا من داخل الشقة.
تراجعت خطوة إلى الخلف وقدماها ترتعشان ومدت يدها بسرعة نحو الهاتف.
اهتز الجهاز في يدها.
رسالة جديدة.
بط!!!
لم تفكر.
فتحت الكاميرا مباشرة ووجهتها نحو مصدر الصوت وضغطت زر التصوير ثم أرسلت الصورة دون حتى أن تنظر إليها.
لكن الصورة ظهرت فورا على الشاشة.
وجه طفل.
رضيع تقريبا.
كان يبكي.
عيناه محمرتان ومنتفختان الدموع تنهمر بغزارة على وجنتيه وفمه مفتوح في صړخة بلا صوت.
شعرت بمعدتها تنقبض.
لأن ملامحه لم تكن طبيعية.
جلده مشدود أكثر من اللازم كأنه لا يحتمل ما بداخله.
عيناه أوسع من الحجم المألوف تحدقان في العدسة بنظرة غير بريئة.
أما فمه فكان ينفتح بطريقة لا تتناسب مع صغر وجهه كأنه قادر على الاتساع أكثر مما ينبغي.
رن الهاتف فجأة.
كادت تسقطه.
صوت حسناء جاء مبحوحا مشدودا بالخۏف
رانيا إيه ده الصورة دي إيه
ردت بصوت مرتجف
مش عارفة والله مش عارفة. ده اللي صورته دلوقتي.
ده طفل عندك طفل في البيت
لا لا أنا لوحدي.
ساد صمت قصير ثم قالت حسناء بصوت