شقيقتان توأم اختفتا بلا أثر في وضح النهار… بينما كان الجاني يعيش بينهم كأنه واحد منهم
المحتويات
أن تبقي هادئة، وتجمّد الډم في عروقها فورًا، فهذه العبارة لا تحمل أبدًا أخبارًا يمكن احتمالها
سألت بصوت مرتجف، ماذا حدث، هل بناتي بخير، فجاء الرد، وقع حاډث خلال الرحلة، ولا يزال مصير إيلا ونورا غير معروف حتى الآن
تلاشت بقية الكلمات في أذنيها، وانحنت ركبتاها قبل أن تمسك بها ممرضة قريبة، بينما صړخت بصوت مزق صمت الممر، أين بناتي، ماذا حدث لهما
كان مارك يعمل على ارتفاع شاهق عندما رن هاتفه، كاد يتجاهله، لكن اسم باتريشيا جعله يتجمد، فهي لا تتصل أثناء العمل إلا في الطوارئ
نزل بسرعة وقلبه يخفق، وعندما أجاب، سمع صوتها متكسرًا، بالكاد مفهوم، الفتيات مفقودات، علينا الذهاب فورًا إلى الحديقة الآن
لم يتذكر كيف تحرك بعد ذلك، لا كيف نزل، ولا كيف وصل إلى سيارته، لكنه وجد نفسه يقود بسرعة چنونية نحو منتزه لوبيك الحكومي
جلست باتريشيا بجانبه في صمت قاټل، كلاهما عاجز عن الكلام، بينما كان الخۏف يملأ الفراغ بينهما، دون أي وسيلة للتعبير عما يحدث
في الوقت نفسه، تم سحب جوردان من فصله وإبلاغه بوجود حالة طارئة، ثم أُرسل إلى منزل الجيران، حيث جلس يشاهد التلفاز دون أن يرى شيئًا
كان يشعر بأن شيئًا فظيعًا قد حدث، شيء أكبر من قدرته على الفهم، لكنه لم يكن يعرف بعد أن حياته بالكامل على وشك أن تتغير للأبد
بحلول الساعة الثالثة مساءً، تحولت حديقة لوبيك الحكومية إلى مركز قيادة كامل، حيث بدأ العشرات في التحرك بشكل منظم، وكأن المكان دخل فجأة في حالة طوارئ لا تحتمل التأخير
قام خمسون متطوعًا بتمشيط الغابة بدقة، ينادون الفتيات بأسمائهن مرارًا، حتى أصبحت أصواتهم خشنة، لكنهم لم يتوقفوا، وكأن الصمت أخطر من الإرهاق نفسه
وصلت وحدات الكلاب البوليسية التابعة لشرطة هنتنغتون، وبدأت في شم الملابس التي قدمها الآباء المذعورون، محاولة التقاط أي أثر يقود إلى الفتاتين داخل هذا الاتساع الموحش
انتشر حراس المتنزهات عبر مركبات الدفع الرباعي، يغطون المسارات الأوسع بسرعة، بينما كان الوقت يمر، وكل دقيقة إضافية تزيد من ثقل القلق الذي يخيم على الجميع
حلقت مروحية تابعة لشرطة ولاية فرجينيا الغربية في السماء، تمشط المنطقة من الأعلى، بينما كانت أعين الجميع تتبعها، وكأنها تحمل الإجابة التي ينتظرونها جميعًا
وقفت باتريشيا ومارك قرب خيمة القيادة، متشبثين ببعضهما، يراقبان الفوضى المنظمة من حولهما، وغرباء يبحثون عن بناتهما، في مشهد بدا أكبر من قدرتهم على الاستيعاب
سيجدونهم، ظل مارك يرددها كدعاء متكرر، يتمسك به وكأنه الشيء الوحيد الذي يمنعه من الاڼهيار، بينما كان الخۏف يتسلل رغم كل محاولاته للثبات
إنهن فتيات ذكيات، لقد بقين معًا، سيكونون بخير، هكذا أقنع نفسه مرارًا، وكأن الكلمات يمكنها تغيير الواقع أو تأخير الحقيقة التي تقترب ببطء شديد
لم تقل باتريشيا شيئًا، فقط حدقت في الغابة طويلًا، وكأنها تحاول أن تأمر بناتها بالخروج من بين الأشجار، أو ربما تنتظر أن يحدث ذلك فجأة
لكن مع انخفاض الشمس وامتداد الظلال، وعودة فرق البحث خالية، بدأ الأمل يتآكل تدريجيًا، وكأن الضوء نفسه ينسحب تاركًا خلفه شيئًا أثقل من الظلام
في مكان ما داخل تلك الغابة الشاسعة، التي تمتد على آلاف الأفدنة، اختفت فتاتان في الحادية عشرة، دون أي أثر، ودون أن يملك أحد تفسيرًا لما حدث
بحلول الليل في الرابع عشر من مايو، بدت الحديقة وكأنها ساحة عملية عسكرية، حيث اختفى الطابع الهادئ تمامًا، وحل محله توتر كثيف يملأ كل زاوية
أضاءت الكشافات المحمولة أجزاء واسعة من الغابة، بينما كانت المولدات تصدر أزيزًا مستمرًا، واختلطت أصوات أجهزة اللاسلكي بقلق لا يمكن تجاهله أو إسكاته
نُصبت خيام القيادة قرب موقف السيارات الرئيسي، وامتلأت الطاولات بخرائط ملونة، تشير إلى مناطق البحث، وكأن كل لون يحمل أملًا مختلفًا بالعثور عليهما
كانت الساعات الأربع والعشرون الأولى حاسمة، الجميع يعلم ذلك جيدًا، ففي مثل هذه الحالات، يبدأ الأمل الحقيقي في التراجع بعد تلك الفترة الحرجة مباشرة
في قضايا اختطاف الأطفال، تنخفض فرص العثور عليهم بشكل كبير مع مرور الوقت، لذلك لم يكن هناك خيار سوى الاستمرار، مهما كان الإرهاق، ومهما طال الليل
استمر البحث طوال الليل، حيث وصل المتطوعون على دفعات، من أولياء الأمور، والجماعات الكنسية، وحتى الشركات التي أغلقت مبكرًا ليشارك موظفوها في البحث
بحلول منتصف الليل، كان أكثر من مئتي شخص يمشطون الظلام، ومصابيحهم تخترق الأشجار، بينما كانت الأسماء تتردد في كل اتجاه، كنداء لا يتوقف
إيلا نورا تكررت الأسماء في الغابة، كجوقة يائسة، تستمر دون توقف، وكأن الصوت نفسه يحاول أن يعيد الفتاتين إلى الوجود مرة أخرى
رفضت باتريشيا ومارك المغادرة، بقيا قرب خيمة القيادة، يحتسيان قهوة بلا طعم، يراقبان الفرق وهي تتحرك وتعود، وكل مرة تحمل نفس النتيجة المؤلمة
في كل مرة تخرج مجموعة من بين الأشجار، تتجمد قلوبهما للحظة، يتمسكان بالأمل، ينتظران المعجزة، لكن كل فريق يعود خاليًا، تاركًا الصمت أثقل من قبل
مع صباح السبت، وصلت التعزيزات، حيث حضر فريق التدخل السريع من مكتب التحقيقات الفيدرالي، متخصص في قضايا اختطاف الأطفال، قادمين من مكتب بيتسبرغ الميداني
ستة عملاء محترفين، يحملون معدات متطورة، وكاميرات حرارية، وأنظمة اتصال حديثة، إضافة إلى سنوات طويلة من الخبرة في أسوأ أنواع القضايا الإنسانية
تولت العميلة الخاصة ليندا فاسكيز قيادة الاستجابة الفيدرالية، بالتنسيق مع الشرطة المحلية، بعينين حادتين وخبرة واسعة، بعد أن عملت على أكثر من مئة قضية مماثلة
رأت فاسكيز أفضل النهايات وأسوأها، لذلك لم تكن تتعامل مع الأمر كاحتمال عادي، بل كسباق مع الزمن، قد يحدد مصير الفتاتين بالكامل
سحبت المحقق ماركوس ويب جانبًا، وهو محقق مخضرم من شرطة هنتنغتون، معروف بدقته، ويحمل خبرة تزيد عن ثلاثة وعشرين عامًا في هذا النوع من القضايا
سألته مباشرة ماذا نعرف حتى الآن؟ فراجع ملاحظاته بسرعة، محاولًا ترتيب الصورة وسط كل هذا الضغط المتزايد الذي لا يرحم أحدًا
آخر مشاهدة مؤكدة كانت الساعة الحادية عشرة وخمس عشرة دقيقة صباحًا، عند نقطة المراقبة في ممر أوكيدج، قبل أن يلاحظ أحد اختفاء الفتاتين لاحقًا
قام المعلم بإحصاء الحضور في الحادية عشرة وسبع وأربعين دقيقة، وهناك تم اكتشاف الغياب، مما يعني وجود نافذة زمنية تبلغ اثنتين وثلاثين دقيقة فقط
لا يوجد شهود، الأطفال كانوا متفرقين، ولم ير أحد الفتاتين تغادران أو يلاحظ أي شيء مريب، وكأنهما اختفتا ببساطة من قلب المكان
المعلمة دانييل روبرتسون، ثمانية وعشرون عامًا، سجلها نظيف، لكنها مڼهارة نفسيًا، تلوم نفسها رغم أنها التزمت بالإجراءات المتبعة بالكامل
أومأت فاسكيز، ثم سألت هل هو اختطاف أم ضياع؟ تردد ويب قليلًا، قبل أن يجيب بتحليل أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح
هؤلاء ليسوا أطفالًا صغارًا، إنهم في الحادية عشرة، أذكياء، وكانوا معًا، والسيطرة على اثنتين أصعب بكثير من واحدة، مما يجعل الأمر غير عشوائي
إذا كان هناك من أخذهم، فالأمر مخطط، شخص يعرف المكان، وربما كان يعلم أنهم سيكونون هناك، وهو ما جعل الصمت بينهما أثقل من أي إجابة
تتبعت الكلاب البوليسية الروائح، لكنها قادت إلى اتجاهات متعددة قبل أن تختفي، فالغابة واسعة، والهواء المفتوح يبدد أي أثر بسرعة قاسېة
وصلت فرق الغوص استعدادًا لتفتيش الجداول والبرك داخل الحديقة، احتمال لم يرغب أحد في ذكره، لكنه ظل قائمًا ويفرض نفسه بصمت ثقيل
واصلت المروحيات التحليق، بينما مسحت الكاميرات الحرارية المنطقة، لكن كثافة الأشجار جعلت المهمة صعبة، خاصة إذا كانتا مختبئتين تحت غطاء كثيف أو أسوأ
بحلول ظهر السبت، توسع نطاق البحث إلى خمسة أميال خارج الحديقة، حيث فُتشت المباني المهجورة والأكواخ وكل مكان يمكن أن يخفي طفلين
وصلت وسائل الإعلام بكثافة، واصطفت الشاحنات عند المدخل، بينما بدأ البث المباشر، بوجوه حزينة تنقل للعالم تفاصيل هذا البحث اليائس
في الرابعة مساءً، عقد الشريف ريموند بوكر مؤتمرًا صحفيًا، معلنًا أن أكثر من ثلاثمئة شخص يشاركون في البحث، ولن يتوقفوا حتى يعثروا عليهما
وقفت باتريشيا ومارك خلفه، متماسكين بصعوبة، عيناها متورمتان من البكاء، وفكه مشدود، وكأن كل كلمة يسمعانها تضغط عليهما أكثر
سُئل الشريف إن كانت الفتاتان على قيد الحياة، فأكد أنهم يعملون على هذا الأساس، لكن الحقيقة أن القلق كان يتجه نحو احتمالات أكثر ظلامًا
ثم جاء يوم الأحد، حاملًا معه الاختراق الذي انتظره الجميع، لكنه أيضًا حمل التأكيد الذي لم يكن أحد مستعدًا لسماعه
في الساعة 1023 صباحًا، كان متطوع باحث يُدعى ديفيد هاتشكينز يعمل في جزء مهجور من مسار ويلو كريك، على بُعد حوالي 1 3 ميل من نقطة أوك ريدج أوفرلوك داخل الغابة.
كان المسار أقل استخدامًا بكثير، أضيق، ومُحاطًا بشجيرات كثيفة من الجانبين، تخنق الرؤية وتمنح المكان شعورًا بالعزلة، لدرجة أن أي شيء صغير قد يمر دون أن يُلاحظ.
كاد أن يفوتها بالفعل، مجرد ومضة وردية باهتة بالكاد تُرى تحت كومة من الأغصان المتساقطة، شيء غير طبيعي وسط اللون الأخضر والبني المسيطر على المكان بالكامل.
توقف فجأة، حدّق أكثر، ثم قال بصوت مرتفع متوتر قليلًا مرحبًا، أعتقد أن لدي شيئًا هنا، شيء يحتاج أن يراه الآخرون فورًا قبل أن يتم لمسه.
في غضون دقائق قليلة، وصل المحققون إلى الموقع، وانتشروا حول النقطة بحذر شديد، وكأنهم يتعاملون مع شيء حساس قد يختفي أو يتلف بمجرد لمسه بشكل خاطئ.
بدأوا في إزالة الأغصان بعناية شديدة، ولاحظوا فورًا أن ترتيبها لم يكن عشوائيًا، بل وُضعت بشكل متعمد، وكأن شخصًا ما حاول إخفاء ما يوجد تحتها.
تحت تلك الأغصان، ظهرت حقيبة ظهر صغيرة وردية اللون، مزينة برقع على شكل وحيد القرن، تبدو وكأنها تخص طفلة، شيء لا ينتمي لهذا المكان المخيف.
انحنى المحقق ويب بجانب الحقيبة، مرتديًا قفازات مطاطية، وتعامل معها بحذر شديد، كما لو أنها قد تحتوي على شيء خطېر أو دليل قد يضيع بأي حركة خاطئة.
فتح الحجرة الرئيسية ببطء شديد، وكأنها على وشك الانفجار، وكل من حوله يراقب بصمت ثقيل، منتظرين ما سيظهر داخل تلك الحقيبة الصغيرة.
في الداخل، كانت هناك زجاجة ماء لا تزال نصف ممتلئة، وورقة عمل لرحلة ميدانية، مكتوب عليها اسم نورا تشارلز بخط يد دقيق وواضح في الأعلى.
بالإضافة إلى لوح جرانولا غير مفتوح، ومقلمة أقلام بنفسجية اللون، تفاصيل بسيطة، لكنها كانت كافية لتؤكد هوية صاحبة الحقيبة بشكل لا يقبل الشك.
إنها ملك نورا، هذا ما أكدته باتريشيا عندما تم إحضارها للتعرف عليها، وكان صوتها خاليًا من الحياة، وكأن الكلمات تخرج منها دون شعور حقيقي.
قالت بصوت أجوف هذه حقيبتها، كانت تحملها هذا الصباح، رأيتها بوضوح وهي تصعد إلى الحافلة، لم تكن تفارقها أبدًا في أي مكان تذهب إليه.
موقع الحقيبة لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان يحمل دلالة مهمة جدًا، لأن مسار ويلو كريك لم يكن متصلًا مباشرة بمسار أوك ريدج الذي سلكته الفتيات.
للوصول
متابعة القراءة