شقيقتان توأم اختفتا بلا أثر في وضح النهار… بينما كان الجاني يعيش بينهم كأنه واحد منهم
المحتويات
إلى هذا المكان، كان يجب مغادرة الطريق الرئيسي تمامًا، والتوغل داخل الغابة عبر مسارات غير واضحة، مما يجعل وجود الحقيبة هناك أمرًا غير عشوائي على الإطلاق.
لم يكن وصول الفتيات إلى هذا المكان محض صدفة، الفكرة نفسها بدت مستحيلة، مما ترك احتمالين فقط، إما أن أحدهم أحضرهن إلى هنا، أو أحضر الحقيبة وحدها.
بدأ خبراء الطب الشرعي التابعون لمكتب التحقيقات الفيدرالي في توثيق كل شيء، تصوير الموقع بدقة، وتسجيل موقع الحقيبة، وجمع عينات من التربة المحيطة بها بعناية.
تم وضع الحقيبة داخل كيس مخصص للأدلة، وإغلاقه بإحكام، ثم نقلها بسرعة إلى المختبر، حيث يمكن تحليل كل تفصيلة صغيرة قد تقود إلى خيط حقيقي.
وقف مارك، صوته متقطع، وسأل السؤال الذي كان يدور في رأس الجميع لماذا الحقيبة فقط؟ أين بناتي؟ لكن لم يكن لدى أي شخص إجابة واضحة.
هذا الاكتشاف أعاد إشعال عملية البحث من جديد، وأعطى الأمل بأن الفتيات ربما كنّ قريبات، وأن الحقيبة قد تكون دليلًا تُرك عمدًا للإشارة إلى موقعهن.
تم استدعاء خمسين باحثًا إضافيًا، وبدأوا في تمشيط منطقة ويلو كريك بنمط شبكي منظم، يتحركون ببطء، مترًا تلو الآخر، بحثًا عن أي أثر آخر.
كما تم إحضار كلاب البحث عن الچثث، تحسبًا لأسوأ احتمال، ذلك الاحتمال الذي كان الجميع يخشاه بصمت، لكن لم يكن بإمكانهم تجاهله في هذه المرحلة.
أطلقت الكلاب إشارات في عدة مواقع مختلفة، مما رفع التوتر في كل مرة، لكن النتائج كانت مخيبة، مجرد بقايا حيوانات، غزلان أو راكون، لا شيء يتعلق بالفتيات.
كانت الغابة مليئة بالمۏت بالفعل، لكن ليس المۏت الذي كانوا يبحثون عنه، وهذا ما جعل الإحباط يتسلل ببطء إلى قلوب الجميع المشاركين في البحث.
بحلول مساء الأحد، كان أكثر من أربعمائة متطوع يشاركون في العملية، بينما تبرعت المطاعم المحلية بالطعام، ونظمت الكنائس صلوات جماعية من أجل عودة الفتيات سالمتين.
تكاتف مجتمع هنتنغتون بالكامل بطريقة مؤثرة، كانت لتكون جميلة في أي ظرف آخر، لكن في هذا السياق، كانت تعكس حجم الخۏف واليأس الذي يسيطر على الجميع.
جلس جوردان تشارلز في غرفة المعيشة مع عمته وعمه، يشاهدون التغطية الإخبارية بصمت ثقيل، يشعرون بعجز كامل، بينما كان والداه لا يزالان في الحديقة يشاركان في البحث.
كان المنزل يبدو فارغًا بشكل مؤلم، صامتًا بطريقة خاطئة، بدون أصوات أخته التي كانت تملأ المكان بالحياة، وكأن وجودها كان هو ما يمنح البيت روحه.
ظل يفكر في آخر شيء قاله لهما قبل الرحلة، كلمات عادية في لحظتها، لكنها الآن تحولت إلى عبء ثقيل يطارده دون توقف أو رحمة.
استمتعوا بالحشرات والأۏساخ يا أغبياء، جملة قالها بسخرية عادية، لكنه الآن كان مستعدًا لفعل أي شيء فقط ليتمكن من سحبها واستبدالها بكلمات أفضل.
اليوم الرابع إلى السابع، من 17 إلى 20 مايو 1999، ومع مرور الوقت، بدأت طاقة الأدرينالين الأولى تتلاشى تدريجيًا، لتحل محلها حالة من التصميم القاتم والمرهق.
أنشأ مكتب التحقيقات الفيدرالي خطًا مخصصًا لتلقي البلاغات، وتدفقت مئات المكالمات، تحمل مشاهدات محتملة، نظريات مختلفة، وشكوك حول أشخاص في محيط العائلات.
تم تسجيل كل معلومة بعناية، والتحقيق فيها بدقة، لكن في معظم الحالات، لم تؤدِ إلى أي نتيجة حقيقية، مما زاد من تعقيد القضية بدلًا من حلها.
كشف التحليل الجنائي للحقيبة عن بصمات أصابع جزئية على السحاب، لكنها كانت مشوشة جدًا، لدرجة يستحيل معها تحديد هوية صاحبها بشكل موثوق.
تطابقت عينات التربة مع بيئة الحديقة العامة، لكنها لم تكن محددة بما يكفي للإشارة إلى موقع معين، ولم يتم العثور على أي دليل بيولوجي أو حمض نووي.
أجرى المحققون مقابلات مع كل من له صلة بالرحلة، المعلمون، أولياء الأمور، المتطوعون، الطلاب، سائق الحافلة، وحتى موظفو الحديقة الذين كانوا يعملون في ذلك اليوم.
توم باترسون، الحارس الذي سمح بدخول الحافلة، تذكر الصباح بوضوح، وقال إن المجموعات المدرسية تأتي باستمرار، ولم يكن هناك أي شيء غير طبيعي في ذلك اليوم.
عند سؤاله عن المركبات الأخرى، راجع سجل الدخول وأشار إلى مرور حوالي خمس عشرة مركبة بين الصباح والظهيرة، معظمها لمتنزهين وصيادين متجهين إلى الجدول.
أوضح أيضًا أن الحديقة لا تطلب تسجيل الأسماء، وأن كاميرا المراقبة الوحيدة عند المدخل كانت بسيطة، وتقوم بإعادة التسجيل كل 72 ساعة فقط دون حفظ طويل.
تمت مراجعة اللقطات فورًا، وكانت بجودة ضعيفة بالأبيض والأسود، لكنها أظهرت المركبات وهي تدخل وتغادر، وتم تتبع معظمها واستجواب أصحابها دون نتائج مهمة.
لكن مركبة واحدة لفتت انتباه المحقق ويب، شاحنة صيانة بيضاء تحمل شعار منتزهات ولاية فرجينيا الغربية، دخلت الحديقة في تمام الساعة 752 صباحًا.
عند السؤال عنها، أشار السجل إلى أن ترافيس وودوارد كان من المفترض أن يعمل في الصيانة ذلك اليوم، وهو متعاقد يقوم بإصلاح المسارات والأعمال المختلفة.
وفقًا لباترسون، كانت الشاحنة لا تزال موجودة حتى مغادرته في الرابعة مساءً، وهو ما دفع ويب لتدوين اسم ترافيس ضمن قائمة الأشخاص الذين يجب مقابلتهم.
في تلك اللحظة، بدا الأمر روتينيًا تمامًا، مجرد اسم إضافي في قائمة طويلة، لا شيء مميز، لا شيء يلفت الانتباه، على الأقل ليس بعد.
بحلول 20 مايو، وبعد ستة أيام من الاختفاء، توسعت عمليات البحث لتغطي دائرة نصف قطرها خمسة وعشرين ميلًا، بمشاركة شرطة من ثلاث مقاطعات مختلفة.
تم التواصل مع الحرس الوطني لطلب دعم إضافي، لكن مع مرور الوقت دون أي أدلة جديدة، بدأت الحقيقة الثقيلة تفرض نفسها بصمت على الجميع.
رحلت ليلى ونورا تشارلز، واختفى من أخذهما كما لو أنه تبخر في الهواء، تاركًا وراءه فراغًا لا يمكن تفسيره أو ملؤه بسهولة.
بحلول نهاية مايو 1999، تم تقليص عمليات البحث التطوعية تدريجيًا، لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان حتميًا، فلا يمكن الإبقاء على مئات الباحثين في الميدان إلى ما لا نهاية.
كان الواقع قاسيًا، الناس لديهم وظائف، وعائلات، وحياة يجب أن تستمر، حتى لو كان هناك جزء منهم عالقًا في تلك الغابة، ينتظر خبرًا قد لا يأتي أبدًا.
لكن رغم توقف البحث الميداني الواسع، لم يتوقف التحقيق، بل دخل مرحلة مختلفة، أكثر هدوءًا، وأكثر خطۏرة، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة هي كل شيء.
أصبح المحقق ماركوس ويب الوجه الإعلامي للقضية، الرجل الذي يظهر أمام الكاميرات، يجيب على الأسئلة، ويحاول أن يبدو مسيطرًا، حتى لو كان الواقع عكس ذلك تمامًا.
في سن الثانية والخمسين، وبعد ثلاثة وعشرين عامًا في الخدمة، تعامل ويب مع كل أنواع القضايا، من النزاعات العائلية البسيطة إلى جرائم القټل المعقدة.
لكن هذه القضية كانت مختلفة، لم تتركه، لم تغادر ذهنه، كانت تلاحقه في كل لحظة، في مكتبه، في منزله، وحتى في صمته.
كان يقول لنفسه كل صباح، لن أترك هذا يمر، لن أسمح أن تتحول هذه القضية إلى مجرد ملف مغلق على رف بارد داخل قسم الشرطة.
كان ينشر ملفات القضية أمامه يوميًا، صور، تقارير، شهادات، خرائط مليئة بالعلامات، وكل تفصيلة يعيد قراءتها وكأنه يراها للمرة الأولى.
صور إيلا ونورا كانت دائمًا أمامه، تبتسمان للكاميرا، فتاتان عاديتان، كان من المفترض أن تنتهيا من الصف السادس، وتفكرا في الإجازة الصيفية القادمة.
لكن بدلًا من ذلك، أصبحتا لغزًا، اسمين في ملف، وصورتين معلقتين على جدار، وذكريات مؤلمة لعائلة تنتظر شيئًا لا تعرف إن كان سيأتي.
في أوائل يونيو، قدمت وحدة التحليل السلوكي التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي ملفًا تحليليًا عن الجاني المحتمل، محاولة لفهم من يمكن أن يفعل شيئًا كهذا.
اجتمع العميل فاسكيز مع ويب، كلاهما كان مرهقًا، يعتمد على القهوة أكثر مما يجب، لكن لا أحد منهما مستعد للتراجع أو التوقف.
قال فاسكيز وهو يشير إلى التقرير، نحن على الأرجح أمام عملية اختطاف من قبل شخص غريب، شخص لم يكن يعرف الفتيات بشكل مباشر.
اختطاف ضحيتين في نفس الوقت لا يحدث بالصدفة، هذا يتطلب تخطيطًا، ثقة، وقدرة على السيطرة، هذا ليس عملًا عشوائيًا أو لحظة اندفاع.
بدأ ويب يستمع بتركيز، محاولًا رسم صورة لهذا الشخص في ذهنه، شخص لا يعرفه، لكنه ربما كان قريبًا منهم أكثر مما يتخيل الجميع.
ذكر، على الأرجح، بين خمسة وعشرين وخمسة وأربعين عامًا، على دراية بالمنطقة، يعرف المسارات، يعرف كيف يتحرك داخل الحديقة دون أن يلفت الانتباه.
ربما يعمل في وظيفة تسمح له بالتواجد هناك دون إثارة الشكوك، أو على الأقل تعطيه مبررًا منطقيًا لوجوده في أوقات مختلفة.
إنه منظم، صبور، يعرف كيف ينتظر اللحظة المناسبة، واختياره لضحېة مزدوجة يشير إلى ثقة كبيرة في قدرته على التحكم والسيطرة الكاملة.
استند ويب إلى كرسيه قليلًا، ثم سأل، هل كان يعلم أن الفتيات ستكون هناك تحديدًا، أم أنها مجرد فرصة صادفها؟
أجاب فاسكيز بهدوء، ليس بالضرورة، لكنه ربما كان يراقب المكان، ينتظر، يدرس الأنماط، فالمجموعات المدرسية يمكن التنبؤ بحركتها بسهولة.
تأتي في الربيع، تتبع نفس المسارات، نفس الجداول، نفس نقاط التوقف، كل شيء متكرر، وكل ما يحتاجه هو الصبر حتى تأتي اللحظة المناسبة.
لكن السؤال الأهم لم يكن كيف اختارهم، بل كيف أخذهم، فتاتان في الحادية عشرة لا تختفيان ببساطة دون أن يراهما أحد.
هذا يعني أنه استخدم مركبة، ربما كانت متوقفة في مكان معزول، بعيدًا عن المسارات الرئيسية، مكان يمكنه فيه التحرك دون أن يُلاحظ.
أخرج ويب خريطة الحديقة مرة أخرى، وبدأ يتفحصها بعناية، يمر بعينيه على كل طريق، كل ممر، كل نقطة يمكن أن تُستخدم دون لفت الانتباه.
كانت هناك طرق صيانة، مسارات غير رسمية، مداخل خدمات، شبكة كاملة من الطرق التي لا يلاحظها الزوار العاديون، لكنها قد تكون مفتاح كل شيء.
إذا كان الجاني يعرف هذه الطرق، فيمكنه التحرك داخل الحديقة بحرية، دون أن يراه أحد، وكأنه جزء طبيعي من المكان.
كانت مجرد نظرية، لكنها كانت أفضل من لا شيء، لأن الفراغ هو أسوأ ما يمكن أن يواجهه محقق في قضية كهذه.
غريب يتربص داخل الحديقة، فكرة مخيفة، لكنها أصبحت الاحتمال الأقوى، الاحتمال الذي لا يمكن تجاهله مهما كان غير مريح.
لهذا، ركز التحقيق في مرحلته التالية على تحديد هوية كل شخص كان داخل منتزه لوبيك الحكومي في يوم 14 مايو تحديدًا.
كل اسم، كل مركبة، كل حركة، كل تفصيلة صغيرة، أصبحت مهمة، لأن الحقيقة في مثل هذه القضايا لا تكون واضحة، بل مختبئة في التفاصيل.
وفي مكان ما، داخل تلك التفاصيل، كان هناك خطأ واحد فقط، خطأ ارتكبه الجاني، ينتظر أن يتم اكتشافه.
سجلت كاميرات المراقبة عند مدخل الحديقة دخول خمس عشرة مركبة بين الساعة الثامنة صباحًا والظهيرة، رقم لم يكن كبيرًا، لكنه كافٍ لبدء عملية تدقيق واسعة ومجهدة.
تم تعقب كل مالك مركبة على حدة، ومقابلته بشكل شخصي، والتحقق من تحركاته خلال ذلك اليوم، للتأكد من عدم وجود أي تناقض أو
متابعة القراءة