شقيقتان توأم اختفتا بلا أثر في وضح النهار… بينما كان الجاني يعيش بينهم كأنه واحد منهم
المحتويات
بداية العام الدراسي الجديد، امتلأت فصول الصف السادس بطلاب جدد، كان من المفترض أن تكون إيلا ونورا بينهم.
لكن مقاعدهما ظلت فارغة، تذكير صامت بما حدث، وبأن القضية لم تُحل، رغم أنها بدأت تختفي تدريجيًا من الاهتمام العام والإعلامي.
لم تُغلق القضية رسميًا أبدًا، لكنها أصبحت باردة، توقفت الإحاطات اليومية، وتم تفكيك مركز القيادة، وعاد المحققون إلى قضايا أخرى.
تراجعت التغطية الإعلامية، لتظهر فقط في الذكريات السنوية، بينما بقيت عائلة تشارلز عالقة في نفس اللحظة، غير قادرة على المضي قدمًا.
حصلت باتريشيا على إجازة طويلة من عملها، لم تستطع التركيز، لم تستطع الاستمرار، حياتها توقفت عند لحظة اختفاء ابنتيها دون أي تحذير.
في كل مرة ترى فتاة بشعر مجعد، يتوقف قلبها، وفي كل رنة هاتف، كانت تندفع نحوه بأمل ينهار في كل مرة لا يكون فيها الخبر المنتظر.
أصيبت باكتئاب حاد، ذلك النوع الذي يجعل مجرد النهوض من السرير مهمة مستحيلة، ويجعل الحياة نفسها تبدو بلا طعم أو معنى أو اتجاه.
وصف لها الطبيب أدوية، وحاول معالج نفسي مساعدتها، لكن كيف يمكن للإنسان أن يحزن دون نهاية واضحة، دون وداع، دون يقين؟
كيف تحزن على شخص قد يكون حيًا في مكان ما؟ كيف تتقبل الفقد دون دليل؟ كيف تعيش وأنت عالق بين الأمل واليأس في نفس اللحظة؟
مارك تعامل مع الأمر بطريقة مختلفة، ډفن نفسه في العمل، يقضي ساعات طويلة في مواقع البناء، محاولًا الهروب من التفكير بأي وسيلة ممكنة.
كان الإرهاق الجسدي أهون عليه من الألم النفسي، كان يعتقد أنه إذا تعب كفاية، فلن يضطر إلى التفكير، ولن يضطر إلى الشعور بما يحدث داخله.
لكن في الليل، كانت كل الأفكار تعود، وهو مستلقٍ بجانب زوجته التي تبكي حتى تنام، غير قادر على الهروب من صوته الداخلي.
كان ينبغي أن أوصلهم بنفسي، كان ينبغي أن أكون معهم، كان ينبغي أن أمنع هذا اليوم من الحدوث، ألف احتمال يدور في رأسه دون توقف.
لكن كل تلك الأفكار لم تغير شيئًا، لم تعيد الفتيات، ولم تخفف الألم، فقط زادت من شعوره بالذنب والعجز الذي لا يمكن تحمله.
كاد زواجهما أن ينهار تحت هذا الضغط، فالحزن لا يجمع الناس دائمًا، بل يعزلهم، ويدفعهم لإيذاء أقرب الأشخاص إليهم دون قصد.
تشاجروا على أشياء تافهة، صمتوا لأيام، انفجروا فجأة، فكروا في الطلاق أكثر من مرة، لكنهم تمسكوا ببعضهم بطريقة بالكاد يمكن تفسيرها.
ربما لأن الانفصال كان سيعني الاعتراف بأن كل شيء انتهى، بأن الفتيات رحلن بالفعل، وهو ما لم يكونوا مستعدين لتقبله بأي شكل.
جوردان عانى بطريقته الخاصة، كان في الخامسة عشرة، يعيش حياة مراهق عادية، يفكر في الدراسة، والأصدقاء، وفريق كرة السلة.
ثم انهار كل شيء فجأة، شاهد والدته تتوقف عن الأكل والنوم، وشاهد والده يتحول إلى شخص غريب يعيش معهم دون أن يكون حاضرًا فعليًا.
وشعر بالذنب، لأنه ما زال على قيد الحياة، لأنه لم يستطع إنقاذهم، ولأنه يتذكر آخر كلمات قالها لهم قبل أن يختفوا.
تراجعت درجاته، دخل في مشاجرات متكررة، يبحث عن أي سبب لتفريغ غضبه، ليجعل الألم الخارجي يعادل ما يشعر به داخليًا.
تم إيقافه مرتين عن الدراسة، وبدأ يشرب الكحول في سن السابعة عشرة، في البداية بشكل عادي، محاولة للهروب والشعور بأنه طبيعي.
لكن الأمور خرجت عن السيطرة تدريجيًا، وبحلول تخرجه عام 2002، كان يشرب بانتظام، في عطلات نهاية الأسبوع وأحيانًا خلال أيام الدراسة.
لم يلاحظ والداه ذلك كثيرًا، لم يكن لديهم القدرة على الملاحظة، كانوا غارقين في حزنهم الخاص، كلٌ منهم يحاول النجاة بطريقته.
انتقل جوردان للعيش بمفرده في سن التاسعة عشرة، فحصل على وظيفة داخل مستودع صغير، واستأجر شقة رخيصة، محاولاً إقناع نفسه بأنه يمنح والديه مساحة شخصية.
لكنه في الحقيقة لم يعد يحتمل البقاء داخل ذلك المنزل، حيث ظلت غرفة نوم أخته كما هي، ساكنة تماماً، وكأن الزمن توقف بداخلها وتحولت إلى ضريح صامت.
في كل عام، وتحديداً في الرابع عشر من مايو، كان المجتمع المحلي يقيم وقفة احتجاجية صامتة، إحياءً لذكرى الفتاتين، ومحاولة يائسة للإبقاء على القضية حية في الأذهان.
بدأ هذا التقليد في عام 2000، بتنظيم من أولياء أمور مدرسة هنتنغتون الابتدائية، الذين رفضوا أن تتحول الحاډثة إلى مجرد ذكرى منسية وسط زحام الأيام.
كانوا يتجمعون عند مدخل الحديقة مع غروب الشمس، تُضاء الشموع واحدة تلو الأخرى، وترتفع الصلوات في الظلام المتزايد، بينما يخيم الحزن على المكان بأكمله.
في السنة الأولى، حضر أكثر من ثلاثمائة شخص، اجتمعوا بدافع الصدمة والتضامن، محاولين فهم ما حدث، أو على الأقل مشاركة الألم الذي خيم على الجميع.
في السنة الثانية، انخفض العدد إلى حوالي مائتي شخص، ومع مرور الوقت بدأ الحضور يتناقص تدريجياً، كما لو أن الذاكرة الجماعية بدأت تبهت ببطء مؤلم.
وبحلول السنة الخامسة، لم يتبق سوى خمسين شخصاً، معظمهم من العائلة والأصدقاء المقربين، إضافة إلى قلة نادرة من أفراد المجتمع الذين رفضوا الاستسلام لفكرة النسيان.
ظلت الأشرطة الصفراء مربوطة على الأشجار في أنحاء منتزه لوببيك الحكومي، وقد بهت لونها بفعل الشمس والمطر، لكنها بقيت شاهداً صامتاً على ما حدث.
كانت تلك الأشرطة تهمس دون كلمات بحقيقة مرعبة، أن فتاتين اختفتا هنا في وضح النهار، وأن أحداً لم يتمكن من تفسير السبب أو كشف ما جرى.
حضرت باتريشيا ومارك كل وقفة حداد، يقفان جنباً إلى جنب وسط الحشود، يحملان شموعاً ترتجف ألسنتها مع الريح، كما لو كانت تعكس هشاشة الأمل بداخلهما.
في بعض المرات، كانت باتريشيا تحاول التحدث، لكن صوتها كان يرتجف وهي تشكر الحضور على تذكرهم، وكأن الكلمات نفسها تثقل قلبها أكثر مما تخفف عنه.
وفي أحيان أخرى، كانت تعجز تماماً عن النطق، فيكتفي مارك باحتضانها بصمت، بينما ټنهار بين ذراعيه، ويغمرها البكاء الذي لم يفارقها منذ ذلك اليوم.
حضر جوردان هذه الوقفات خلال السنوات الأولى فقط، ثم توقف تماماً عن الحضور، بعدما أصبح الألم المرتبط بها يفوق قدرته على التحمل أو المواجهة.
كان يشعر أن الأمر مؤلم أكثر من اللازم، ومفتعلاً بطريقة ما، وكأن الجميع ينوح على أشخاص ربما لا يزالون أحياء في مكان مجهول ينتظرون الإنقاذ.
تقاعد المحقق ماركوس ويب من قسم شرطة هنتنغتون في عام 2005، بعد مسيرة طويلة امتدت لثلاثين عاماً، قضاها في ملاحقة الچرائم ومحاولة تحقيق العدالة.
أقيم له حفل تكريم، ووضعت لوحة تذكارية باسمه، وألقيت كلمات كثيرة تشيد بتفانيه وخدمته، بينما وقف يستقبل التهاني بابتسامة لم تصل إلى عينيه.
لم يشعر برغبة حقيقية في الاحتفال، لأنه كان يغادر بينما قضية تشارلز لا تزال دون حل، وفتاتان ما زالتا مفقودتين، والجاني طليق بلا عقاپ.
شعر بالفشل، إحساس ثقيل استقر بداخله، ورفض أن يغادر معه، وكأن القضية أصبحت جزءاً من هويته، أو عبئاً لا يمكنه التخلي عنه بسهولة.
في يومه الأخير، بدأ بتعبئة مكتبه داخل صناديق، واضعاً بينها نسخاً من ملفات القضايا التي كان يحتفظ بها، رغم أنه لم يكن مخولاً رسمياً بأخذها معه.
لكن لم يوقفه أحد، فقد كان الجميع يعلم أن ويب لم يتخلَّ يوماً عن هذه القضية، وكان واضحاً أنه لن يتوقف عن ملاحقتها حتى بعد تقاعده.
في منزله، حول غرفة نوم احتياطية إلى مكتب صغير، نشر عليه الملفات، وعلق الصور والخرائط على لوحة فلين، واستمر في العمل وكأنه لم يغادر وظيفته.
لم يكن ذلك رسمياً، ولا مدعوماً بموارد الشرطة، بل مجرد محقق قديم يرفض تقبل فكرة أن بعض القضايا يمكن أن تبقى باردة إلى الأبد.
راجع إفادات الشهود مراراً وتكراراً، حتى حفظها تقريباً، وأعاد قراءة التقارير الجنائية بدقة، ودرس الخرائط حتى أصبح يعرف تفاصيل الحديقة كما لو عاش فيها.
احتفظ بقائمة تضم كل من قابلهم في عام 1999، وكان يراجعها بشكل دوري، بحثاً عن أي نمط أو رابط، أو أي خطأ ربما فاته في السابق.
كان اسم ترافيس وودوارد مدرجاً ضمن تلك القائمة، وقد أشار ويب بعد مقابلته إلى أن الرجل كان يعمل في الحديقة يوم الرابع عشر من مايو.
وصفه بأنه متعاون، هادئ، ولا يثير القلق، ولم يكن هناك ما يدعو للاشتباه به في ذلك الوقت، لذا لم يجد ويب سبباً للنظر إليه مرة أخرى.
ليس بعد.
في عام 2008، عادت القضية إلى الواجهة بعدما عُرضت في برنامج تلفزيوني وطني متخصص في الچرائم الحقيقية، يسعى لإحياء القضايا الغامضة وتوليد خيوط جديدة.
قام ممثلون بتجسيد شخصيتي إيلا ونورا، وأعيد تمثيل الرحلة الميدانية، لحظة الاختفاء، والبحث اليائس الذي أعقب ذلك، في محاولة لنقل المأساة للمشاهدين.
أُجريت مقابلات مع باتريشيا ومارك، وبدا عليهما أثر السنوات، وكأن الحزن أضاف إلى عمرهما عقداً كاملاً، وترك بصمته في كل تفصيلة بوجهيهما.
توسلت باتريشيا أمام الكاميرا بصوت مكسور، طالبة من أي شخص يعرف شيئاً، أي شيء، أن يتقدم، فقط ليمنحهم فرصة لإعادة بناتهم إلى المنزل.
أسفرت الحلقة عن ثلاث وأربعين نصيحة جديدة، تعامل معها المحققون بجدية، وقاموا بمتابعة كل خيط على حدة، رغم ضآلة الأمل في معظمها.
ادعت امرأة في فلوريدا أنها رأت التوأم داخل مركز تجاري عام 2003، لكن لقطات المراقبة من تلك الفترة كانت قد مُسحت منذ سنوات طويلة.
لم يكن هناك أي وسيلة للتحقق من ادعائها.
ذكر رجل في ولاية فرجينيا أن جاره أدلى بتعليقات مريبة حول القضية، لكن التحقيق أظهر أنه مجرد هاوٍ مهووس بجرائم القټل ويفتقر للمهارات الاجتماعية.
لم يكن هناك أي دليل على سلوك إجرامي.
اتصلت عرافة مدعية أن الفتيات مدفونات بالقرب من الماء أسفل أحد الجسور، مما دفع فرق البحث لفحص كل جسر ضمن نطاق خمسين ميلاً.
لكن لم يتم العثور على أي شيء.
لم تؤد أي من تلك النصائح إلى نتيجة حقيقية، ومع مرور الوقت بدأ الأمل يتلاشى تدريجياً، كما لو أن الحقيقة تبتعد أكثر كلما اقتربوا منها.
بحلول عام 2010، كان معظم الناس قد تقبلوا الحقيقة القاسېة، أن ليلى ونورا تشارلز قد ټوفيتا، وأن العثور على جثتيهما ربما لن يحدث أبداً.
وأن قاتلهما... قد لا يُقبض عليه أبداً.
ستبقى هذه القضية واحدة من أكثر الألغاز غموضاً التي لم تُحل في ولاية فرجينيا الغربية، لغزاً عالقاً في ذاكرة الجميع، دون إجابة واضحة أو نهاية تمنح الراحة.
سيعيش مارك وباتريشيا ما تبقى من حياتهما وهما يجهلان مصير ابنتيهما، يحملان هذا الفراغ الثقيل يومياً، كجُرح مفتوح لا يلتئم مهما مر عليه الزمن.
هذا ما كان يعتقده الجميع.
لكن الجميع كانوا مخطئين، لأنه في عام 2015، كان هناك تغيير قادم، تغيير بطيء في البداية، لكنه كفيل بقلب كل ما ظنه الناس حقيقة مستقرة.
سيتولى محقق جديد هذه القضية، ومعه ستظهر تقنيات حديثة، لتبدأ خيوط القضية القديمة التي أرّقت هنتنغتون لستة عشر عاماً في الانفكاك تدريجياً.
في يناير من عام
متابعة القراءة